أكثر من قرن مضى على اللحظة التي اخترق فيها عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر جدار المقبرة الشهيرة «KV62» في وادي الملوك عام 1922، غير أن مقبرة الفرعون الذهبي توت عنخ آمون لم تفصح بعد عن كامل أسرارها، إذ لا يزال صغر حجمها الاستثنائي مقارنة بمقابر ملوك الأسرة الثامنة عشرة يثير تساؤلات حول أصل بناء المجمع الجنائزي.
يتجاوز اللغز مجرد المساحة الضيقة، فهو يتقاطع مباشرة مع الملكة الأكثر شهرة وغموضاً في تاريخ مصر القديمة: نفرتيتي، التي غاب جثمانها ومقبرتها عن أيدي الأثريين لعقود. ثمة فرضية لعالم المصريات نيكولاس ريفز، تقول إن المقبرة جرى تعديلها على عجل لدفن الشاب توت عنخ آمون عقب وفاته المفاجئة، مع سدّ الأجزاء الأعمق خلف جدران زائفة لإخفاء مدفن نفرتيتي، والآن، عادت هذه الفرضية لتتصدر المشهد العلمي بقوة.
هذه المرة، لم تعد الفرضية مجرد حدس أثري، بل استندت إلى نتائج تحليل مشترك جمع سبع حملات ميدانية استخدمت ترسانة تقنية معقدة، شملت الرادار المخترق للأرض، والتصوير الحراري، وقياسات الجاذبية الدقيقة. القراءة الموحدة للبيانات المجمعة، والتي نشرتها مجلة «Nature»، كشفت عن نمط يرجح وجود مجمع جنائزي يمتد شمالاً ويضم 5 إلى 6 غرف وممرات مخفية.
وتمثلت أكثر النقاط إثارة في الكشف عن «المنطقة رقم 7»، وهي مساحة منخفضة الكثافة تحتوي في أحشائها على كتلة ذات كثافة أعلى، وهو تصميم هندسي يتوافق علمياً مع وجود غرف مأهولة بأجسام أو مقتنيات أثرية، رغم تحذيرات الخبراء من وقوع هذه الإشارات عند حافة قدرة أجهزة الاستشعار.
ويبقى حسم هذه الجدلية بيد السلطات المصرية، التي تدرس منح الضوء الأخضر من المجلس الأعلى للآثار، بعدما قدم الفريق الأثري طلباً رسمياً للترخيص بعملية اختراق دقيقة عبر فتحة صغرية وإدخال كاميرات مرنة لاستكشاف ما خلف الجدار، في خطوة ميدانية قد تبدأ خلال شهر نوفمبر لتحديد ما إذا كان الأثريون على وشك فك أعظم ألغاز الفراعنة، أم أن الجدران تخفي سيناريو أثرياً مختلفاً تماماً.