يظن ساسة الغرب، وهم على مكاتبهم البعيدة، أنهم يحركون قطع الشطرنج، بينما الحقيقة في الخليج والشرق الأوسط أن الزمن يدور في حلقات مفرغة، والحروب تولد من فكرة عابرة في رأس جنرال أو معمم لم يقرأ التاريخ جيداً. في الخليج تحديداً، تبدو اللعبة اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. لعبة توازن عسكري وسياسي تُشبه السير على حبل مشدود فوق هاوية غارقة في النفط والذكريات.
المملكة تتحرك في هذا المشهد بكثير من الحذر والوقار والهدوء. إنها تدرك، كما أدرك ساسة أوروبا عشية الحرب العالمية الأولى، أن الانجرار خلف الاستدراج الحماسي هو خطيئة لا تُغتفر. فالمملكة لديها ما تخسره، والطرف الآخر ليس كذلك. هذه معادلة الرياض، التي تحكم المشهد بدقة. في قاموسها اليوم، يبدو الآتي: لديها الكثير، بل الكثير جداً لكي تخسره. تنمية متسارعة، ومدن رقمية واعدة، ومشاريع كبرى تحول الصحراء إلى مختبرات للمستقبل، ورؤية اقتصادية تسابق الزمن. لقد استبدلت المملكة زمن البناء بزمن البنادق، وأصبحت الحرب في يقينها مجزرة لفرص التنمية، وتدميراً مجانياً لكل فرصة أتيحت لبناء المستقبل.
على الجانب الآخر من الخليج، يقف الخصم ومليشياته الإقليمية في وضع مغاير تماماً. هنا تكمن السخرية المأساوية للسياسة؛ فالعدو في هذه المعادلة لا يملك الكثير ليخسره. مدنه منهكة، واقتصاده محاصر، وبناه التحتية أكل عليها الدهر وشرب، وشعبه يعيش خلف غبار الأزمات المعيشية المتلاحقة. إنها مواجهة غير متكافئة في الدوافع؛ طرف يحرص على حماية مستقبله ومكتسباته، وآخر يرى في إشعال الحرائق وسيلة وحيدة للبقاء على قيد الحياة السياسية، ومستعد لإحراق الغابة بأكملها؛ لكي يستدفئ على رمادها.
هذه المنطقة عاشت في نصف قرن صراعات عدة أبرزت التوازن الهش، وحفرت جروحاً غائرة في جسدها، وتركت سلسلة من الفواتير الباهظة. نتذكر الحرب العراقية الإيرانية. مأساة عبثية دامت ثماني سنوات، ودمرت طاقات بلدين دون تغيير شبر واحد في الحدود. إنها صورة الموت المجاني والانتصار الوهمي. ونتذكر مغامرة صدام حسين في غزو الكويت. بدت كأنه يطلق رصاصة على قدميه وقدمي المنطقة بأسرها، مدمراً عقوداً من الاستقرار الإقليمي لمجرد أوهام القوة العسكرية الفردية.
أثبتت تلك الصراعات أنها تنتهي دائماً بخراب يطال الجميع، لذلك، ذروة الواقعية السياسية نجدها في حرص المملكة على تفادي الانجرار إلى حلبة صراع يختار الخصم زمانها ومكانها. هي شخصية النضج الإقليمي، الذي يرفض الانصياع لخراب معلن سلفاً. فضبط التوازن العسكري في الخليج لا يعني تكديس السلاح فقط، بل يعني، بالدرجة الأولى، امتلاك حكمة الحرمان؛ أن تحرم العدو من فرصة جرك إلى مستنقع عمل عليه طويلاً.
في النهاية، التاريخ في الشرق الأوسط لا يرحم، والمنتصر الحقيقي من يحافظ على مدنه مضاءة بنور الأمل والتنمية وسط ظلام الحروب المحيطة.