تمر المنطقة بمنعطف جيوسياسي شديد الخطورة مع تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية وتوسّع رقعتها، إذ لم يعد الصراع محصوراً في قواعد الاشتباك التقليدية حول مضيق هرمز، بل جرى تدويله ونقله عمداً نحو مضيق باب المندب والبحر الأحمر عبر التصعيد الميداني والهجمات الحوثية الموجّهة نحو الحدود الجنوبية للمملكة، في تكتيك متطرّف يهدف إلى ضرب مفهوم «الممرات البديلة»؛ لخنق أمن الإمدادات العالمية عبر سد الشرايين البحرية والبرية على حدٍّ سواء، وهو ما تجلّى بوضوح في استهداف خط أنابيب «شرق-غرب» في محاولة مكشوفة لإلغاء أي هامش للمناورة الاقتصادية، ولإغلاق القنوات الدبلوماسية ونزع أدوات الحلول السلمية.

إن السعي المحموم لإحكام هذا الحصار الجيوسياسي يعكس رغبة أطراف التصعيد في جرّ الإقليم بكامله نحو جبهات متعددة لحرب شاملة لا تُبقي ولا تذر، إلا أن هذا الخيار الخطير يتصادم دوماً مع ثبات واستراتيجية إدارة الأزمات في الرياض، فقد أثبتت المملكة العربية السعودية مجدّداً قدرة فائقة على تفكيك هذه الألغام المركبة عبر نهج يعتمد الحكمة وصبر القوة، إذ لم تنجرف خلف المحاولات الدؤوبة لاستدراجها إلى منزلقات هذه الحرب المتصاعدة، بل آثرت التعاطي بضبط نفس استراتيجي يدرك تعقيدات الميدان وأبعاد الصراع الدولي، ومتحلّية برؤية عميقة تحمي استقرار المنطقة وتفوّت الفرصة على المخططات التي تسعى إلى تفجير الموقف برعونة وجرّ دول الخليج إلى الهاوية!

يبرز هذا الرسوخ القيادي للمملكة في كيفية تعامل الرياض مع الملفات الإقليمية الشائكة، ومنها التنسيق مع الحكومة العراقية بشأن فتح تحقيق شفاف ومسؤول للوقوف على ملابسات الهجمات التي طالت خط «شرق-غرب»، وإتاحة المجال للتحقيق واستبيان الحقائق لدولة تتصرف من موقع الدولة المحورية القوية التي توازن بين حقها المكفول في صون سيادتها وحماية مقدّراتها، وبين الحرص العالي على قطع الطريق أمام محاولات الوقيعة ودعم استقرار دول الجوار.

إن هذه القدرة العالية على ضبط الإيقاع في أحلك الأزمات تبرهن على أن السياسة السعودية ستبقى صمام الأمان والركيزة الأساسية لمعادلة الاستقرار في الشرق الأوسط.

يؤكد هذا المشهد المعقد أن محاولات تحويل المضائق إلى ساحات ابتزاز واستهداف الشرايين النفطية لن تزيد الرياض إلا تمسكاً برؤيتها الاستراتيجية، حيث تظل المملكة الفاعل الأساسي القادر على فرض التوازن بفضل ثقلها السياسي والعسكري وقيادتها الرشيدة، ومع انسداد الأفق الدبلوماسي بين القوى المتصارعة، تبقى حكمة المملكة ودقة مناوراتها الجيوسياسية الحصن الأخير لمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة، مؤكدة أن السلام والاستقرار لن يتحققا إلا عبر دولة تبني قرارها على القوة العاقلة وضبط النفس الاستراتيجي.