تشهد العلاقات السعودية الأوزبكية خلال السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً، انتقلت معه من إطار التعاون الثنائي إلى شراكة إستراتيجية تتسع مجالاتها لتشمل السياسة والاستثمار والطاقة والتجارة والسياحة والرعاية الصحية والبنية التحتية. ويعكس تجاوز محفظة المشاريع المشتركة 27 مليار دولار حجم الزخم الذي تشهده العلاقات بين الرياض وطشقند، فيما تتصدر مشاريع الطاقة المتجددة والاستثمارات السعودية المشهد الاقتصادي، بالتوازي مع تنامٍ في التنسيق السياسي والحوار الحكومي بين البلدين.
وفي حوار خاص مع «عكاظ»، يستعرض سفير أوزبكستان لدى المملكة نادرجان تورغونوف، ملامح هذه الشراكة وآفاقها، ويتحدث عن أبرز المشاريع والاستثمارات السعودية في بلاده، والفرص الجديدة أمام قطاع الأعمال، ومستهدفات زيادة التبادل التجاري والسياحي، إلى جانب التعاون في الطاقة المتجددة. كما يتناول مستوى الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين الأوزبك، ودور المملكة في تعزيز التعاون بين آسيا الوسطى ودول الخليج، كاشفاً أن أحد أبرز أهداف مهمته الدبلوماسية يتمثل في الإعداد والتنظيم لزيارة دولة يقوم بها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى أوزبكستان، التي يرى أنها يمكن أن تشكل محطة تاريخية جديدة في مسيرة العلاقات بين البلدين. وفي ما يلي نص الحوار:
• كيف تصفون الوضع الراهن للعلاقات بين المملكة وأوزبكستان، وما الذي يميز تعاون البلدين في المرحلة الحالية؟
•• تمر العلاقات بين أوزبكستان والمملكة اليوم بمرحلة نوعية جديدة، تتسم بمستوى عالٍ من الثقة السياسية والتواصل المنتظم بين قيادتي البلدين، إلى جانب تبادل الزيارات والوفود. وتحظى الاتصالات بين الرئيس شوكت ميرضيائيف وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بأهمية خاصة. وفي 29 مارس الماضي جرى بينهما اتصال بحثا خلاله الأوضاع الإقليمية وآفاق تطوير العلاقات الثنائية، فيما يشهد الحوار الحكومي بين البلدين نشاطاً متزايداً، إذ زار وزير خارجية أوزبكستان بختيار سعيدوف الرياض في 3 مايو الماضي، وبحث خلال الزيارة سبل تطوير التعاون السياسي والاستثماري، وتنفيذ المشاريع المشتركة، وتعزيز التنسيق حيال القضايا الإقليمية.
وإذا نظرنا إلى مسيرة العلاقات خلال السنوات العشر الماضية، نجد أنها انتقلت إلى شراكة إستراتيجية متعددة الأوجه، سياسياً واقتصادياً، إذ ارتفع حجم التجارة والاستثمارات، واتسع نطاق المشاريع المشتركة، إلى جانب تحول الحوار السياسي إلى مسار منتظم ومؤسسي.
تنمية طويلة الأمد
• تجاوزت محفظة المشاريع المشتركة 27 مليار دولار.. ما أبرز المشاريع السعودية في أوزبكستان؟
•• بالفعل، تجاوزت محفظة المشاريع المشتركة بين البلدين 27 مليار دولار، وما يهمنا ليس عدد المشاريع فحسب، وإنما ما تحمله من أهمية إستراتيجية في تحديث الاقتصاد وتحقيق التنمية طويلة الأمد. وتأتي الطاقة الخضراء في مقدمة مجالات التعاون، إذ تضطلع شركة «أكوا باور» بدور محوري من خلال مشاريع كبرى تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 15 مليار دولار، كما شهد منتدى طشقند الدولي الخامس للاستثمار توقيع اتفاقية شراكة بين القطاعين العام والخاص بين «مطارات أوزبكستان» وشركة «رؤية العالمية للاستثمار» السعودية لإنشاء وتشغيل مطار «طشقند الجديدة» الدولي. ويمتد تنفيذ المشروع بين عامي 2026 و2030، ويتضمن في مرحلته الأولى جذب استثمارات أجنبية بنحو 3 مليارات دولار.
ويتوسع التعاون أيضاً في مجال الرعاية الصحية، إذ شهد يوليو الماضي مباحثات بشأن رقمنة المنظومة الصحية وتحديثها وتطوير صناعة الأدوية وتأهيل الكوادر الطبية، إضافة إلى مشروع لإنشاء مستشفى متعدد التخصصات في أوزبكستان.
ونتوقع أن يصل إجمالي حجم الاستثمارات السعودية في أوزبكستان إلى 30 مليار دولار قبل نهاية العام الحالي.
نقل التقنيات الحديثة
• أصبحت المملكة من أبرز شركاء أوزبكستان في الطاقة المتجددة.. كيف تقيِّمون دور الشركات السعودية؟ وهل هناك مشاريع جديدة في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر؟
•• نعم، المملكة اليوم من أبرز شركائنا الإستراتيجيين في قطاع الطاقة، خصوصاً الطاقة المتجددة، وتضطلع شركة «أكوا باور» بدور رئيسي في هذا المجال، من خلال تنفيذ مشاريع واسعة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الطاقة والهيدروجين الأخضر. وتضم محفظتها في أوزبكستان حالياً 19 مشروعاً، باستثمارات مؤكدة تصل إلى 15 مليار دولار، فتعاوننا لم يعد مقتصراً على إنشاء قدرات جديدة لتوليد الكهرباء، بل أصبح يشمل أيضاً تخزين الطاقة، وتحديث بنيتها التحتية، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، ونحن لا ننظر إلى هذه الشراكة من زاوية حجم الاستثمارات فقط، بل نهتم كذلك بنقل التقنيات الحديثة والخبرات الدولية والكفاءات المتخصصة.
• ما أبرز الفرص المتاحة حالياً أمام المستثمرين السعوديين؟
•• هناك فرص واسعة أمام قطاع الأعمال السعودي في عدد من القطاعات الواعدة، من صناعة وزراعة ومواد كيميائية ودوائية، وذكاء اصطناعي، إضافة إلى استخراج المعادن ومعالجتها، كما توفر المناطق الاقتصادية الخاصة فرصاً إضافية للمستثمرين، فنحن ننظر إلى الشركات السعودية باعتبارها شريكاً واعداً للاستثمارات طويلة الأجل.
• الاستثمارات تنمو بوتيرة كبيرة، لكن ماذا عن التجارة بين البلدين، وما المنتجات الأوزبكية التي تستهدفون زيادة حضورها في السوق السعودية؟
•• الإمكانات التجارية بين بلدينا لم تُستثمر بالكامل حتى الآن، ولذلك نعمل على زيادة حجم التجارة المتبادلة، وتوسيع حضور المنتجات الأوزبكية في السوق السعودية.
ومن الخطوات المهمة في هذا الجانب، الاتفاق الذي تم التوصل إليه في فبراير على تصدير الفواكه والخضراوات الأوزبكية الطازجة إلى المملكة، ومنتجات أخرى ذات قيمة غذائية.
• أوزبكستان تمتلك مقومات سياحية وتاريخية كبيرة.. كيف تخططون لجذب مزيد من السياح السعوديين؟
•• نولي السياح من المملكة ودول الخليج اهتماماً خاصاً، في ظل ما تتمتع به أوزبكستان من إرث تاريخي وثقافي غني، وقد اتفق البلدان على تطوير التبادل السياحي وتعزيز التعاون في هذا المجال، ومن المزايا المهمة التي تسهم في دعم الحركة السياحية الإعفاء من التأشيرة، إذ يستطيع المواطنون السعوديون دخول أوزبكستان دون تأشيرة لمدة تصل إلى 30 يوماً، ونعتقد أن هذا الإعفاء سيسهم في زيادة أعداد الزوار السعوديين والخليجيين بصورة ملحوظة.
• تستقبل المملكة أعداداً كبيرة من الحجاج والمعتمرين الأوزبكيين.. كيف تقيمون مستوى الخدمات المقدمة لهم؟
•• نتوجه بخالص الامتنان إلى قيادة المملكة وجميع الجهات السعودية على ما توفره لمواطنينا خلال موسمي الحج والعمرة. وتمثل فرصة أداء هذه الشعائر أهمية روحية عظيمة للشعب الأوزبكي، ونثمن ما يحظى به حجاجنا ومعتمرونا من اهتمام ورعاية وكرم ضيافة.
وتبلغ حصة أوزبكستان السنوية للحج 15 ألف حاج، وفي موسم 2026، نُقل جميع الحجاج الأوزبك إلى المملكة عبر 62 رحلة جوية، مع توفير الإقامة والوجبات والرعاية الطبية وخدمات النقل والتنظيم، إضافة إلى نقاط طبية تعمل على مدار الساعة في الفنادق.
كما نُفذت هذا العام للمرة الأولى مبادرة «حجاج الرئيس»، التي أتاحت لـ100 مواطن أوزبكي أداء الحج على نفقة الدولة.
أما العمرة، فقد أداها خلال العام الماضي أكثر من 500 ألف مواطن أوزبكي، وهو رقم يعكس المكانة الخاصة التي تحظى بها مكة المكرمة والمدينة المنورة لدى شعبنا.
ونقدر عالياً مستوى تنظيم الحج والعمرة في المملكة، لاسيما تطور الرعاية الطبية والبنية التحتية للنقل والخدمات الرقمية وأنظمة الأمن والسلامة، كما نشيد بالتعاون البنّاء مع وزارة الحج والعمرة السعودية.
• كيف تنظر أوزبكستان إلى دور المملكة في آسيا الوسطى وإلى إطار التعاون بين دول آسيا الوسطى ومجلس التعاون الخليجي؟
•• المملكة شريك مهم لأوزبكستان، وتضطلع بدور بارز في توسيع التعاون بين آسيا الوسطى ودول الخليج. ونحن نقدر إسهامها في تطوير هذا الحوار، ونرى إمكانات كبيرة لتعميق التعاون العملي بين الجانبين خلال المرحلة القادمة.
ويتيح إطار «آسيا الوسطى - مجلس التعاون لدول الخليج العربية» فرصاً واسعة لتعزيز الحوار السياسي، وتوسيع مجالات التجارة والاستثمار، وتطوير الربط في قطاعات النقل والطاقة والسياحة والعلاقات الإنسانية.
ونحن على ثقة بأن المشاركة الفاعلة للمملكة ودول الخليج ستسهم في تحويل هذا الإطار إلى منصة فاعلة لشراكة طويلة الأمد ومنفعة متبادلة بين المنطقتين.
توسع تعاون البلدين
• ما الرسالة التي تودون توجيهها بشأن مستقبل العلاقات السعودية الأوزبكية؟
•• أتوجه إلى قيادة المملكة وشعبها بخالص الشكر على المستوى الرفيع من الثقة والدعم الذي يميز علاقات بلدينا. وقد انتقلت العلاقات خلال السنوات الأخيرة إلى مستوى جديد تماماً، وأصبحت شراكة إستراتيجية متعددة الأوجه، تشمل الاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتجارة والرعاية الصحية والسياحة وغيرها من المجالات.
وأنا على قناعة بأن أوزبكستان والمملكة مقبلتان على مرحلة أوسع من التعاون. ولا نريد الاكتفاء بالحفاظ على الزخم الذي تحقق، بل نتطلع إلى إطلاق مشاريع جديدة، وفتح مجالات وصناعة فرص تعود بالنفع على شعبينا لسنوات طويلة.
ومن خلال «عكاظ»، أقول: إن أوزبكستان منفتحة على المملكة، ونرى فيها أحد أكثر شركائنا موثوقية وأهمية إستراتيجية، وأثق بأن الصداقة والاحترام المتبادل والثقة ستظل أساساً لشراكة أكثر قوة وازدهاراً.
صفحات جديدة في العلاقات
• وما الهدف الأبرز الذي تتطلعون إلى تحقيقه خلال مهمتكم سفيراً لدى المملكة؟
•• وضعت لنفسي هدفاً رئيسياً، وربما الأهم، يتمثل في الإعداد والتنظيم لزيارة دولة يقوم بها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى أوزبكستان.
وخلال عملي سفيراً، تمكنت من تنفيذ العديد من الخطط والإسهام في تعزيز العلاقات بين البلدين، وإذا تمت هذه الزيارة التاريخية فسأعتبرها تحقيقاً للهدف الرئيسي الذي حددته في بداية مهمتي الدبلوماسية.
وأنا على قناعة بأن قيادتي البلدين وشعبيهما يتطلعون إلى هذه الزيارة باهتمام وأمل كبيرين، وأنها ستشكل محطة مهمة في تطوير الشراكة الإستراتيجية، وتفتح صفحات جديدة في العلاقات بين البلدين.
ويكتسب الأمر بالنسبة إليّ رمزية خاصة؛ فأوزبكستان هي أرض الإمام البخاري، وسيكون من بالغ الرمزية أن يزور ولي العهد مدينة سمرقند وموطن الإمام البخاري.
ولا أرى في ذلك مجرد زيارة دولة، بل لقاء بين إرثين تاريخيين وروحيين: المملكة التي تحتضن الحرمين الشريفين، وأوزبكستان أرض كبار علماء ومفكري العالم الإسلامي.
وستحمل مثل هذه الزيارة، حال تحققها، أهمية تاريخية وروحية كبيرة، وستصبح رمزاً إضافياً للعلاقات الخاصة التي تجمع بلدينا وشعبينا.