لم تكن أمان مرشد تبحث عن بيت جديد. كانت تبحث فقط عن مكان لا تصل إليه الحرب. وبعد أكثر من خمس سنوات قضتها نازحة في منطقة الكدحة بتعز، كانت أمان، وهي أم لخمسة أبناء، قد علّقت أملها على شيء بسيط: أن تهدأ الجبهة بما يكفي لتعود إلى منزلها وأرضها، حيث كانت أسرتها تزرع وتربي المواشي.
لكن الحرب التي طاردتها من منزلها لم تتوقف عند حدود ذلك المنزل. ووصلت إلى المكان الذي لجأت إليه. وعند نحو الخامسة صباحاً، اضطرت أمان إلى الفرار مرة أخرى مع أبنائها. لم تجد سيارة تنقلها، فسارت الأسرة أكثر من كيلومترين قبل أن تعرض عليها شاحنة صغيرة نقلها إلى مخيم آخر.
هناك، لم تعد تفكر في العودة إلى المنزل. صار الحلم أصغر بكثير: أن تستعيد بعض الأغراض الأساسية التي تركتها وراءها، وأن تجد ما يكفي من الطعام لأطفالها.
أمان ليست حالة منفردة. إنها واحدة من الوجوه التي تكشف القصة الحقيقية للتصعيد الحوثي الأخير في اليمن: فالأمر لم يعد مجرد نزوح جديد للسكان من مناطق القتال، وإنما إعادة نزوح لأشخاص سبق أن نزحوا، وأصبح ملجؤهم نفسه غير آمن. وهنا تبدأ المأساة الأكبر.
عندما تصل الميليشيا إلى المخيم
في الحرب التقليدية، يهرب المدني من منطقة الخطر إلى منطقة أكثر أمناً. لكن في غرب اليمن، بدأت المعادلة تنقلب: فالمدني يهرب من منزله، ثم تصل المعارك إلى مخيمه، فيهرب من المخيم، ثم يبحث عن مكان ثالث.
**media«2765111»**
محمد مهيوب (30 عاماً) أب لطفلين، اختبر المعنى نفسه. بعد أن غادر قريته في شمير بمقبنة مع أسرته، لكن المكان الذي لجأ إليه لم يمنحه الأمان الذي بحث عنه. وكان وصفه للمشهد مختصراً وقاسياً: «نزحنا من حرب إلى حرب، ومن مكان غير آمن إلى مكان غير آمن». وهذا هو أحد أخطر وجوه موجة النزوح الحالية، فالمشكلة لم تعد فقط في عدد الذين يفرون، وإنما في انهيار فكرة الملاذ الآمن نفسها.
وفي غرب تعز، وثقت تقارير ميدانية انتقال عائلات من مناطق مقبنة وجبل حبشي إلى مناطق أخرى، بينما كانت بعض مواقع النازحين نفسها ضمن المناطق التي أصبحت مهددة بالقتال. أي أن الخريطة لم تعد تحتوي على خط واضح يفصل بين «الجبهة» و«الملجأ».
نعمة حملت أطفالها.. وتركت مصدر رزقها
في مكان آخر من تعز، كانت نعمة خالد تحاول أن تفعل الشيء الوحيد الذي تستطيع فعله في تلك اللحظة: إنقاذ أطفالها. نزحت الأسرة من جبل حبشي، ولم تكن الرحلة مجرد ترك منزل. ففي مجتمع فقير يعتمد كثير من سكانه على الزراعة وتربية المواشي، تعني الحرب أيضاً خسارة رأس المال الوحيد الذي تملكه الأسرة. كالمواشي، والأرض، والأدوات، والمنزل، والمحصول.. فهذه أشياء لا يمكن وضعها كلها فوق شاحنة والهرب بها.
**media«2765109»**
وهكذا لا ينتهي النزوح عندما يصل الإنسان إلى منطقة أخرى، فحتى إذا نجا من القصف، قد يصل إلى المكان الجديد دون مصدر دخل، ودون غذاء كافٍ، ودون قدرة على إعادة بناء حياته. وهذه هي الحلقة التي تجعل النزوح أكثر قسوة من مجرد انتقال جغرافي. فالأسرة لا تفقد المنزل فقط، بل تفقد قدرتها على العودة إليه.
في المخا.. الهروب كان قبل الفجر
ثم جاءت المخا. وفي الساعات الأولى من صباح 10 سبتمبر، لم تنتظر عائلات كثيرة أن يصبح الخطر واقعاً داخل بيوتها. وغادرت المدينة ليلاً. وشوهدت سيارات تحمل الأثاث، وأسر تجمع أطفالها، وممتلكات تُحشر في المركبات على عجل، بينما يتجه الناس جنوباً بحثاً عن منطقة لم تصل إليها ميليشيا الحوثيين بعد.
ووثقت تقارير ميدانية مشاهد لعائلات تغادر أطراف المخا في منتصف الليل، فيما كان آخرون يتجهون نحو ذوباب ولحج وعدن. وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن أعداداً كبيرة من السكان غادرت المخا ليلاً وهي تحمل ممتلكاتها بحثاً عن الأمان.
المشهد هنا ليس مجرد نزوح من مدينة. إنه إخلاء جماعي تحت ضغط الخوف. فحين يبدأ الناس في تحميل الأثاث في الظلام، فهذا يعني أنهم لا يغادرون ليوم أو يومين. إنهم لا يعرفون متى سيعودون. وربما لا يعرفون إن كانوا سيعودون أصلاً.
حتى مدير الصحة ترك ذوباب
ومن المفارقات الأكثر دلالة أن موجة الهروب لم تتوقف عند أفقر السكان. صلاح الدرين، مدير مكتب الصحة في ذوباب، اضطر هو الآخر إلى مغادرة المنطقة مع أسرته ليلاً. وأسر أخرى اتجهت إلى رأس العارة، وأخرى إلى عدن.
حين يضطر مسؤول صحي إلى ترك المنطقة التي يفترض أن يقدم فيها الخدمات للسكان، فإن الأزمة تتجاوز نزوح الأسر إلى إفراغ المناطق من الخدمات التي يحتاج إليها النازحون والذين بقوا خلفهم في الوقت نفسه. وهنا تصبح الحرب دائرة مغلقة: بطش ميليشيا الحوثي يدفع السكان إلى الهرب، والهروب يفرغ المناطق من الكوادر، وانهيار الخدمات يجعل الحياة في تلك المناطق أكثر صعوبة، فيدفع مزيداً من السكان إلى الرحيل.
من منزل إلى مخيم.. ثم إلى عدن
علاء علي سالم اختبر جانباً آخر من الرحلة. وهرب مع زوجته وأطفاله على دراجة نارية، في محاولة للوصول إلى مكان أكثر أمناً. لكن طريق الهروب نفسه تحول إلى مأساة. انقلبت الدراجة، وأصيب أفراد الأسرة، وانتهى بهم الأمر ضمن موجة النازحين التي وصلت إلى عدن.
هناك، بدأت مرحلة جديدة من المعاناة: أسر وصلت بلا مساكن، وأطفال على فرش بسيطة، وحاجات متراكمة في مدينة تستقبل أعداداً كبيرة من القادمين من مناطق القتال. وهذه الصورة تشرح لماذا لا يكفي أن نقول إن «النازحين وصلوا إلى عدن». فالوصول ليس نهاية الرحلة. إنه بداية أزمة جديدة. فأين ينام هؤلاء؟ ومن يطعمهم؟ وأين يتعلم الأطفال وفي أي المدارس؟ وكيف يجد الأب عملاً بعدما ترك أرضه؟ وماذا يحدث عندما تصبح المدينة التي استقبلتهم نفسها عاجزة عن استيعاب المزيد؟
.. والذين لا يستطيعون الهرب؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر قسوة. لأن النزوح يفترض وجود قدرة على النزوح. لكن هناك عائلات لا تملك سيارة، ولا مالاً للنقل، ولا أقارب في مدينة أخرى، ولا قدرة على استئجار غرفة.
في ذوباب، تحدثت إفادات عن أسر بقيت لأنها ببساطة لا تستطيع المغادرة. وهؤلاء لا يظهرون في أرقام النازحين. فالأسرة التي لم تستطع الهرب لا تُسجل باعتبارها نازحة. لكنها قد تكون الأكثر تعرضاً للخطر.
18,500 في 72 ساعة
وفي الأيام الأولى من التصعيد، كانت الأرقام تتغير بسرعة تفوق قدرة الناس على استيعابها. قالت المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 18,500 شخص نزحوا خلال 72 ساعة فقط بعد تصاعد القتال منذ 3 سبتمبر في تعز والحديدة. وبعد أيام، ارتفع تقدير المنظمة إلى 46 ألف شخص على الأقل ممن أجبروا على الفرار منذ بداية التصعيد الأخير، مع تحذير من أن الرقم كان يرتفع «بالساعة».
وفي تقرير آخر، تجاوز عدد النازحين المرتبطين بالموجة الأوسع منذ يوليو 76 ألفاً، بينما تحدثت تقارير أحدث عن أكثر من 85 ألفاً وفق نطاقات زمنية ومنهجيات مختلفة.
أما الأرقام الحكومية اليمنية التي ترصد موجة النزوح التي شملت ست محافظات، فتتحدث عن 9,746 أسرة، تضم 68,338 شخصاً. واليوم تحدثت الأمم المتحدة عن أكثر من 86 ألف نازح.
اختلاف الأرقام هنا لا يلغي القصة؛ بل يكشف سرعتها. فالرقم الذي كان يبدو ضخماً قبل أيام أصبح مجرد محطة في موجة تتسع بسرعة.
قرية تفرغ.. وأرض تنتظر أصحابها
خلف كل رقم أسرة. وخلف كل أسرة منزل وأرض ومزرعة وربما حيوان أو متجر صغير. وعندما يغادر الفلاح، لا يغادر معه محصوله. وعندما يهرب صاحب المتجر، لا يستطيع أن يحمل متجره. وعندما تخرج الأسرة ليلاً، لا تستطيع أن تحمل معها ذكرياتها وآمالها ولا سنوات من حياتها.
ولهذا فإن النزوح الحالي لا يهدد حياة الناس فقط، بل يهدد قدرتهم على العودة إلى الحياة التي كانوا يعيشونها قبل الحرب. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج التصعيد الحوثي في الساحل الغربي. فكل قرية تخلو من سكانها، وكل مزرعة تُترك، وكل مدرسة تُغلق، وكل مركز صحي يتوقف، تعني أن العودة بعد انتهاء المعارك ستصبح أصعب. والحوثيون لا يدفعون الناس بعيداً عن مناطق سيطرتهم وانتهاكاتهم فقط، بل إن التصعيد الحوثي يدفع الناس بعيداً عن مستقبلهم.
حين يصبح البحر آخر طريق
ولعل أكثر المشاهد دلالة على اتساع الكارثة أن بعض اليمنيين لم يعودوا يبحثون عن مكان آخر داخل بلادهم. بل بدأوا يبحثون عنه خلف البحر. فتقارير حديثة تحدثت عن وصول نحو 1,400 يمني إلى جيبوتي خلال 24 ساعة بعد فرارهم من نيران الحوثي، في موجة دفعت بعض الأسر إلى عبور باب المندب بدلاً من مواصلة رحلة النزوح داخل اليمن. وهنا تبلغ القصة ذروتها: فالمواطن اليمني الذي فر من منزله، ثم من مخيمه، ثم من مدينته، يجد نفسه أمام البحر. وفي الجهة الأخرى جيبوتي. ولم يعد السؤال: «إلى أي مخيم سنذهب؟» بل: «هل نعبر البحر؟»
**media«2765137»**
إنها مخاطرة هائلة، خصوصاً للعائلات التي تحمل أطفالاً ولا تعرف ما ينتظرها في الضفة الأخرى. لكن مجرد استعداد الناس لخوض هذه المخاطرة يكشف حجم الخوف الذي دفعهم إليها.
الحوثي لا يملك مشروعاً للمدن.. بل مشروعاً للفرار
منذ سنوات، تقدم ميليشيا الحوثي نفسها باعتبارها قوة تقاتل من أجل اليمن. لكن المشهد على الأرض يقدم صورة مختلفة تماماً. فكلما اتسعت رقعة القتال، اتسعت معها رقعة النزوح. وكلما سيطرت الميليشيا على منطقة، بدأ المدنيون في البحث عن منطقة أخرى. والنتيجة ليست فقط قتلى وجرحى. النتيجة مدن وقرى تفقد سكانها، وأسر تفقد منازلها، ومزارعون يفقدون أراضيهم، وأطفال يفقدون مدارسهم، ومرضى يفقدون الخدمات، ونازحون يكتشفون أن المخيم الذي ظنوه ملاذاً يمكن أن يتحول هو الآخر إلى نقطة فرار.
وهذا تحديداً ما يجعل مسؤولية الحوثيين عن هذه المأساة أكبر من مجرد مسؤولية طرف في اشتباك عسكري. فالقرارات العسكرية التي تدفع الجبهات نحو المناطق المأهولة، والتقدم الذي يجبر السكان على ترك بيوتهم، واستخدام المناطق المدنية في سياق العمليات، كلها تنتهي إلى نتيجة واحدة: المدني هو الذي يدفع الثمن.
الحرب التي تطارد النازحين
- أمان مرشد قضت أكثر من خمس سنوات وهي تنتظر العودة.
- نعمة خالد حملت أطفالها وتركت وراءها ما تملك من مصدر رزق.
- محمد مهيوب لم يعد يعرف أين يمكن أن يجد مكاناً آمناً.
- علاء علي سالم أصيب هو وأسرته أثناء الهروب.
- سكان المخا غادروا في الظلام، محملين بما استطاعوا إنقاذه.
- ومدير صحة ذوباب ترك منطقته مع أسرته.
- ثم هناك من اختار البحر.
هذه ليست قصصاً منفصلة. إنها مراحل مختلفة لقصة واحدة. قصة بلد أصبح فيه النازح معرضاً لأن يصبح نازحاً مرة أخرى. فمن البيت إلى المخيم، ومن المخيم إلى مخيم آخر، ومن المخيم الثاني إلى محافظة جديدة، ومن المحافظات إلى عدن أو حتى إلى البحر.
**media«2765108»**
وفي كل محطة، تقل الممتلكات، وتكبر الخسارة، ويصبح احتمال العودة أبعد. لهذا فإن الرقم الحقيقي لمأساة التصعيد الحوثي ليس فقط عدد الذين غادروا بيوتهم. الرقم الحقيقي هو عدد الذين لم يعد لديهم بيت يستطيعون العودة إليه، أو أرض يستطيعون استئناف حياتهم فيها، أو مخيم يثقون بأنه سيبقى آمناً.
وفي غرب اليمن اليوم، يبدو أن السؤال الذي يطارد آلاف العائلات لم يعد: «متى تنتهي الحرب؟» بل أصبح: «إلى أين نهرب إذا وصلت ميليشيا الحوثي إلينا هنا أيضاً؟»