في أروقة المحكمة الإقليمية بمدينة هانوفر الألمانية، خيم صمت مريب مع بدء واحدة من أكثر المحاكمات غموضاً وبشاعة. ووقف في القفص رجل بولندي يبلغ من العمر 39 عاماً، لينظر بلا مبالاة بينما تتلو النيابة قائمة اتهامات ثقيلة تضم 103 جرائم جنسية نفّذت بدم بارد، وفي الخفاء التام.

وكانت تفاصيل القصة المظلمة بدأت تتكشف بين نوفمبر 2021 ومارس الماضي، إذ يشتبه في أن المتهم كان يدسّ أدوية منومة مجهدة، أو عقار «الكيتامين» المخدر، لشريكته في السكن وفي غرف الفنادق، ليحول جسدها الغائب عن الوعي إلى مسرح لجرائمه دون أن تدري.

لم تتوقف الكارثة عند حد الانتهاك داخل الغرف المغلقة، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي. فالمحققون الألمان الذين تتبعوا خيوط الجريمة عبر الإنترنت اصطدموا بأرشيف مرعب:

  • فحص أكثر من 42000 ملف فيديو جرى تحليلها بالكامل.
  • رصد 1700 مقطع جنائي صوّرها المتهم بنفسه ونشرها على الشبكة.
  • تحليل نحو 6000 محادثة نصية كشفت شبكة معقدة من العلاقات المشبوهة.

كان الخيط الأول الذي قاد السلطات لفك شفرة هذه الشبكة يبدو عادياً، لكن تداعيات «قضية جيزيل بيليكو» الشهيرة في فرنسا جعلت المحققين يتتبعون البصمات المماثلة، ليقع المتهم في قبضة الأمن بعد كشف مقاطعه المروعة.

هذه المحاكمة المنعقدة في هانوفر ليست سوى «رأس الجبل الجليدي»، فالتحليلات المكثفة التي أجرتها الشرطة فجرت مفاجآت عابرة للحدود، وأسفرت عن فتح 78 إجراءً قانونياً مستقلاً ضد أشخاص ارتبطوا بالمتهم.

وامتدت الخيوط إلى أكثر من 10 دول، حيث أثمرت التحريات الدولية عن إصدار أمر اعتقال نفذ بالفعل في فرنسا، إلى جانب رصد أدلة تشير إلى وجود ضحية جديدة في بولندا وتتبع ردود أفعال السلطات هناك. والأدهى من ذلك، أن الفحوصات ما زالت تلاحق أدلة تشير إلى وجود نحو 100 ضحية محتملة لم تُحدد هوياتهن بعد!

ومع انطلاق الجلسات، اختار المتهم التزام الصمت التام متمسكاً بحقه القانوني وبمبدأ «افتراض البراءة»، بينما تترقب المحكمة شهادة الشريكة السابقة التي تدمرت حياتها في لحظة غدر. واختصرت المحامية الممثلة للضحية المأساة في كلمات مؤثرة تؤكد أن خلف الأرقام والاهتمام الإعلامي الكبير: «هناك إنسانة تحطمت ثقتها المطلقة في أقرب الناس إليها.. وانتُهكت في المكان الذي ظنته آمناً».

ولم يسدل الستار حتى الآن، ومن المرجح أن المحاكمة المستمرة ستبوح بأسرار جديدة قد تقلب الطاولة على شبكة واسعة من الضحايا ومن المشتبه بهم حول العالم.