في تأكيد على حرص الدولة على مصالح الشعب اليمني وإبعاد المدنيين عن الصراعات والحروب وعدم تحويلهم إلى دروع بشرية، وجّه نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الفريق طارق صالح، (الخميس)، القوات المسلحة في الساحل الغربي بإعادة ترتيب صفوفها، وتشكيل مركز قيادة بديل في موقع وصفه بالآمن، بهدف إعادة تجميع القوات وتنظيم عملياتها.

وقال مدير مكتب الإعلام بمحافظة الحديدة علي الأهدل إن الجيش لا يزال يحافظ على كامل قواته وأن المعركة كر وفر، وعملية إعادة الانتشار ستمكّن القوات من توحيد جبهتها في اتجاه واحد مما يؤدي إلى دحر الحوثي وعدم تحقيق أهداف إيران بالسيطرة على باب المندب، مبيّناً أن المعركة مع الحوثي وحماية باب المندب والجزر اليمنية مصيرية.

ورغم الجهود المبذولة طوال السنوات الثلاث الماضية لتحقيق السلام، خصوصاً بعد الوصول إلى خريطة طريق وتسليمها للمبعوث الأممي هانس غروندبرغ، إلا أن عرقلة مليشيا الحوثي بتوجيه من إيران حالت دون توقيع الاتفاقية تحت مبررات واهية. تكشّفت الحقيقة بعد وصول قائد الحرس الثوري المكلف بإدارة الجماعة الإرهابية علي رضائي إلى صنعاء على متن الطائرة الإيرانية ماهان في 3 يوليو الماضي.

«عكاظ» تناقش الدور الإيراني في التصعيد الحوثي وعلاقات المليشيا بالتنظيمات الإرهابية، خصوصاً حركة الشباب الصومالية التابعة لتنظيم القاعدة، والسيناريوهات القادمة.

الحوثي بين أزمات الداخل وفشل منظومة إيران

قال رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث عبدالسلام محمد إن جولة التصعيد في حرب اليمن هذه المرة لم تبدأ من صنعاء بل من طهران. الأسباب التي دفعت الحوثيين للهروب إلى حرب جديدة هي بقدر ما هي حاجة داخلية للحركة، أيضاً ضرورة إيرانية لتخفيف الضغط عليها في الحرب الأمريكية المستمرة.

وأضاف أن إيران شعرت بأن طموحاتها منذ تأسيس وكلائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن في ثمانينات القرن الماضي لتحقيق أهداف إستراتيجية وتمكنهم من التوسع في المنطقة، كانت من أهم أهدافهم الوصول إلى المقدسات الإسلامية للسيطرة فكرياً وثقافياً على الأمة والوصول إلى باب المندب ليكون سلاحاً مهدداً للاقتصاد العالمي ومكملاً للهيمنة التي تدعيها إيران على مضيق هرمز، لكنها فشلت. وانكشف مشروعها الدموي التوسعي القائم على العرقية والطائفية، وليس هذا فحسب بل فشلت أيضاً اليوم في الهيمنة على باب المندب مع تحرك يمني وإقليمي ودولي لحماية الممر الدولي المهم.

وأشار إلى أن انهيار منظومة إيران الفوضوية في المنطقة رغم متاجرتها بقضايا الأمة الإسلامية جعل نظام الحرس الثوري يشعر بتهديد جدي، ما دفع طهران إلى استخدام آخر أوراقها في المنطقة وهم الحوثيون لتخفيف الضغط ورفع كلفة الحرب عليها. كان السيناريو المرسوم للحوثيين هو تهديد ممرات الملاحة الدولية بالصواريخ والوصول إلى باب المندب. رغم أن الحوثيين شنوا عدة هجمات على سفن التجارة منذ 2023، لكنها كانت مرتبطة بالإستراتيجية الإيرانية لا بمصلحة الحوثيين. وأخيراً أصبح الحرس الثوري يدير هذه الهجمات ضمن غرفة عمليات تدار من طهران.

مصالح إيران أولاً

وحول أسباب اندفاع الحوثي لتحقيق مصالح إيران رغم الأزمة الداخلية، أكد عبدالسلام أن إستراتيجية إيران في اليمن تتمثل في تهديد باب المندب وممرات الملاحة الدولية، إلا أن وضع الحوثيين الاقتصادي والضغط الداخلي جعلهم يطمحون في الوصول إلى مأرب وحقول النفط والغاز، رغم محاولاتهم السابقة التي باءت بالفشل وكانت كلفتها عالية. لكنهم اليوم ينفذون رغبة إيران بهجومهم الكبير على تعز والساحل الغربي للوصول إلى باب المندب، بدلاً من البحث عن حلول للمشكلات الداخلية واستغلال الهدنة الطويلة. هذا هو أكبر دليل أن مليشيا الحوثي صنعت لخدمة الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، ولا علاقة لها باليمن واليمنيين.

حرب إيران الخاسرة

وعما إذا كانت إيران ستنجح في حربها داخل اليمن، أكد رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث أن ما يجري في اليمن الآن حرب إيرانية بامتياز، ولكن دون مراجعة للوضع المحلي والإقليمي والدولي، مشيراً إلى أن هذه الحرب خاسرة مبكراً لأسباب عديدة، أولاً أن إيران والحوثي لم يجدوا أمامهم خصماً واحداً، بل خصوماً موحدين تدعمهم الجغرافية اليمنية بصحرائها وسهولها ووديانها وجبالها وسواحلها وسلاح القبائل والشعب الذي وصل إلى مرحلة لا يمكن وصفها في ظل وجود الحوثي واستيلائه على موارد الدولة وتجويع الجميع بمن فيهم من كانوا في صفه.

وأضاف: «إيران والحوثي بعد هذا التصعيد تلقوا صفعة كبيرة، حين واجهوا شعباً وجيشاً موحداً يدار من قيادة واحدة وغرفة عمليات واحدة يتلهف للمعركة الكبرى التي تحدد مصير الحوثيين إلى الأبد».

سيناريوهات متعددة ومصير واحد

وفي رده عن السيناريوهات المتوقعة للحرب، رأى رئيس مركز أبعاد أنه ورغم تعدّد سيناريوهات الحرب التي شنّها الحوثي، لكن النتيجة الحتمية واحدة وهي خسارتهم لها وخسارة إيران لآخر أوراقها في المنطقة.

وقال عبدالسلام: السيناريو الأول: استمرار الحرب وهو سيناريو مرجّح بسبب توسعة الحوثيين للمواجهات من تهديد باب المندب إلى استهداف الأعيان المدنية في السعودية. وهذا السيناريو إذا تحقق فستنتهي الحرب بتدخل إقليمي ودولي إلى جانب القوات اليمنية وإسقاط المليشيا الحوثية. أما السيناريو الثاني: قبول الحوثيين بوقف الحرب مقابل العودة إلى الحوار وهو سيناريو متوقع، لكن يفرض على الحوثيين الموافقة على تفكيك المليشيات المسلحة وتسليم السلاح. وهذا السيناريو يصب لصالح الحوثيين لكن إيران لن تقبل به لأنها مازالت تحت الضغط وتريد الاستمرار في استخدام ورقتها الأخيرة حتى النهاية. أما السيناريو الثالث: العودة إلى التهدئة وهذا سيناريو مستبعد نظراً لأن عوامل التهدئة انتهت بإعلان الحوثيين الحرب، كما أن الوضع الاقتصادي الداخلي على وشك الانفجار ولا يسمح بعودة تهدئة، بل ستنفجر حروب متعددة.

الارتباط بين الحوثي والشباب الصومالية

وفيما يتعلق بعلاقة الحوثي بالشباب الصومالية، قال رئيس مركز أبعاد للدراسات: لم يكتفِ الحوثيون بتجنيد كل إمكاناتهم لخدمة إيران من أجل إغلاق باب المندب وتهديد ممرات الملاحة الدولية، بل ذهبوا أبعد من ذلك، وهو التمدّد إلى الجهة المقابلة في القرن الأفريقي. ولفت إلى أن العام 2023 شهد ظهور أول معلومات عن تحويل الحوثيين بعض الجزر والموانئ اليمنية إلى مراكز تدريب مقاتلين أفارقة على يد خبراء من حزب الله والحرس الثوري الإيراني. وظلت المعلومات تتوالى حتى تم تأكيد ارتباط الحوثيين بجماعة الشباب فرع القاعدة في الصومال ضمن مصالح متبادلة تشمل التدريب والتأهيل والتسليح بالصواريخ والمسيرات من قبل إيران والحوثيين للشباب، يقابلها سماح الشباب للحوثيين والحرس الثوري بإنشاء معسكرات على الضفة الأخرى في باب المندب والمشاركة في الهجمات ضد السفن الدولية وحماية ممرات تهريب السلاح.

أدوات الحوثي المتبقية

وحول الأدوات التي يستخدمها الحوثي في حربه أو في الهدنة، قال عبدالسلام محمد: بطبيعة الحال يستخدم الحوثيون العنف باستمرار في حرب أو هدنة، لكن في أوقات الحروب يبالغون في استخدام المسيرات والصواريخ. لكن القوات المسلحة اليمنية هذه المرة تكافأت معهم في السلاح المسير، بل استخدمته بكفاءة عالية وفي هجمات استباقية أفقدت الحوثيين القدرة على التفوق. كما أن تلاعب الحوثيين بالحرب وتركيزهم على جبهة دون أخرى لم يعد مجدياً مع دخول القوات الجوية الحرب وتحرك الجبهات من اتجاهات متعددة. لذلك فإن شعور الحوثيين بالهزيمة سيفقدهم صوابهم، ما جعلهم يركزون على الخسائر الإنسانية والاقتصادية أكثر للضغط على القوات الحكومية. وهذا ما يجعلهم يستخدمون الصواريخ ضد المدن ومنشآت النفط والطاقة والأعيان المدنية في اليمن والسعودية الحليف الأقوى للشرعية.

من جانبه، يرى مدير الإعلام في المقاومة الوطنية عبد الناصر المملوح أن المعركة الجارية في الساحل الغربي أعد لها الحرس الثوري الإيراني منذ فترة، واندلاعها في هذا التوقيت مرتبط بالأوضاع السيئة التي يمر بها النظام الإيراني جرّاء الضربات والحصار الأمريكي المفروض على طهران، موضحاً أن إيران لم تجد من الخيارات أمامها سوى تحريك ورقتها في اليمن لتهديد حركة التجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.

وأوضح المملوح أن معركة الساحل الغربي ليست عابرة بل معركة كسر عظم.


أدلة على علاقة الحوثي بالقاعدة

وعمّا إذا كانت الحكومة اليمنية تمتلك أدلة دامغة على علاقة الحوثي بالجماعات الإرهابية في القرن الأفريقي، قال عبد الناصر المملوح: عثرنا بالفعل على جثث لعناصر حركة الشباب الصومالية في عدة قطاعات من جبهات الساحل الغربي الأيام الماضية ضمن مقاتلي الحوثي خلال المعركة التي أنهت أسبوعها الأول ونشرنا ذلك بالفيديو. لكن هذا ليس الدليل المادي الأول، هناك عدة دلائل قدّمها الإعلام العسكري في المقاومة للمجتمع الدولي من خلال اعترافات عناصر خلايا تهريب السلاح المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وكان آخرها قبل أسبوعين، حيث أدلى عنصران تم ضبطهما وهما يقودان خلية تهريب تحمل معدات تستخدم معظمها في تجهيز الزوارق المفخخة واعترفا أنهما شاركا في تهريب شحنات من ميناء بندر عباس في إيران إلى الصومال. وهناك خلية أخرى تم ضبطها مع شحنة تزن 750 طن منظومات صاروخية وأسلحة أخرى متنوعة عام 2025، واعترفوا جميعهم بالصوت والصورة أنهم هرّبوا شحنات من ميناء بندر عباس إلى الصومال وأن هناك عناصر من حركة الشباب الصومالية يشاركون في تهريب السلاح من إيران إلى الحديدة أيضاً.

ولفت المملوح إلى أن من ألقي القبض عليهم أقروا أيضاً بأن حركة الشباب الصومالية تشارك مع مليشيا الحوثي في حربها داخل اليمن، فضلاً عن المهام الموكلة إليها من قبل النظام الإيراني لزعزعة الاستقرار في المنطقة وتهديد الملاحة الدولية.

وأضاف: «في 2025 نشر أيضاً الإعلام العسكري للمقاومة اعترافات مجند من أبناء قبائل العفر وهو إريتري في صفوف المليشيا الحوثية وأقر أنه تم نقله مع 11 فرداً من أبناء العفر من جيبوتي إلى الحديدة وهناك دفعات أخرى من أبناء العفر أخذوا دورة استقطابية لمدة شهر في الحديدة ثم نقلوهم إلى صنعاء لدورة أخرى قتالية. كما اعترف أن مسؤول ملف تجنيد الأفارقة وهو من أبناء العفر أخبرهم أن إيران مهتمة بإنشاء حركة مسلحة لأبناء العفر لإنشاء دولة مطلة على البحر الأحمر وأن إيران ترى أن موقع العفر الجغرافي أهم لها من لبنان واليمن».

وشدد المملوح على ضرورة أن تستمر المعركة لأن الحوثي هو من بدأها ونحن في الحكومة اليمنية من بيده قرار إنهائها، موضحاً أن حشد الحوثي معظم مليشياته صوب الساحل الغربي يعد فرصة سانحة لتحريك كافة الجبهات ولن تتمكن المليشيا من الصمود، وهذا السيناريو الأقرب لما هو حاصل الآن.