حين يؤذي الإنسان إنساناً، نبحث غالباً عن تفسير مريح أكثر من بحثنا عن تفسير صحيح، فلا نكتفي بفهم السلوك، بل نسعى إلى رده إلى جوهر ثابت: طبيعة الرجل أو طبيعة المرأة، وكأن الأذى يحمل توقيعاً جندرياً.
لكن السؤال الأهم: هل للأذى جنس، أم أننا نحن من نلبسه هوية جندرية؟
إن أكثر الأفكار رسوخاً ليست بالضرورة أكثرها صدقاً، بل ربما كانت أكثرها تكراراً.
ولهذا استقرت في الوعي الجمعي مقولات مثل: «المرأة عدوة المرأة»، «الرجل أكثر عقلانية بطبيعته»، غير أن هذه الأحكام لها انعكاس لتراكمات اجتماعية وثقافية أكثر من كونها حقائق ثابتة عن طبيعة الجنسين.
يبين علم النفس الاجتماعي أن إدراكنا للآخرين لا يتشكل من الوقائع وحدها، بل يتأثر أيضاً بتوقعاتنا وتحيزاتنا وتصنيفاتنا الاجتماعية، وقد أوضح «ألبرت باندورا» كيف يستطيع الإنسان أحياناً تبرير سلوكه المؤذي بما يحافظ على صورته الأخلاقية عن نفسه، بينما بينت أبحاث «سوزان فيسك» كيف يمكن للتصنيف الاجتماعي أن يتحول إلى صور نمطية وأحكام عامة، وهنا وقد تتحول تجربة فردية مع شخص واحد إلى حكم على ملايين البشر، فبدل أن نقول «هذا الشخص آذاني» نقول «هذا هو طبع الرجال»، و«هذه طبيعة النساء».
الأذى الإنساني أكثر تعقيداً من أن يفسر بالجنس وحده، لذلك لا يكون الصراع دائماً بين رجل وامرأة، بل بين إنسان يحاول حماية صورته عن ذاته، وآخر أصبح يمثل تهديدًا لها، ومن هنا فإن نسبة الشر إلى جنس بعينه لا تفسر السلوك بقدر ما تختزله.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: أي الجنسين أكثر إيذاءً؟، بل: لماذا نحول أخطاء الأفراد إلى صفات لجماعات بأكملها؟
ولهذا، لا ينبغي أن تقاس أخلاق الإنسان بانتمائه إلى جنس، بل بما يفعله، فالذي يؤذي هو الإنسان، والذي يتحمّل مسؤولية أذاه هو الإنسان.