ليس غريباً أن يختار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لغة البنوك وصفقات العقارات ليدير بها الأزمات الدولية، لكن أن يصل الأمر إلى حد المزاح الجدي حول تغيير اسم أحد أهم ممرات الطاقة في العالم إلى «مضيق ترمب»، فهذا يكشف أننا أمام مرحلة لا تشبه ما قبلها. ما يحدث في مضيق هرمز اليوم هو إعادة صياغة لقواعد اللعبة التي تحكم تداخل الاقتصاد بالطاقة والسياسة، حيث تُدار المنطقة كطاولة بلياردو كبرى تُحرّك فيها واشنطن الكرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بضربة واحدة لتحقيق عدة أهداف، من الضغط على إيران إلى التأثير في حركة النفط ورفع كلفة الحرب عليها. ومع تحوّل لغة الدبلوماسية المعهودة إلى لغة قوة تضيق فيها مساحة الحلول الوسطى، أصبح الشريان الحيوي للنفط ورقة ضغط في حسابات الربح والخسارة الأمريكية، وهو ما ينذر بتداعيات كبيرة تتجاوز حدود الخليج لتطال أسواق الطاقة ومصالح الدول وعواصم القرار حول العالم.
رسائل أبعد من حدود الملاحة
حين يطلق ترمب قاعدته الجديدة للردع «ناقلة مقابل ناقلة»، يظن البعض للوهلة الأولى أنها رد فعل عسكرية ميدانية على احتجاز هنا أو مناوشة هناك ضمن الصراع القائم مع إيران. لكن القراءة السريعة لما تقوله أركان الإدارة الأمريكية تكشف العكس تماماً. فتصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت عن انطلاق «حملة عالمية» لقطع ما تبقى من أواصر العلاقات الاقتصادية مع إيران، يضع سياسة السيطرة على الناقلات في سياق أوسع بكثير من مواجهة بحرية أو استعراض عسكري.
اللعبة باختصار شديد انتقلت من حماية خطوط الملاحة الدولية وفتح الممرات إلى خنق النظام الإيراني عبر تجفيف موارده المالية وضرب مصادره الأساسية.
فالولايات المتحدة لا تريد فقط أن تفرض سيطرتها على حركة السفن وتحمي تدفق النفط عبر المضيق وفق شروطها الأمنية، بل تسعى لقطع شرايين التمويل التي تغذي طهران اقتصادياً، لتصبح السيطرة على الماء والمال عملية متكاملة الأركان، لا ينفصل فيها الضغط العسكري عن الحصار المالي، ضمن خطة تهدف إلى تقليص قدرة إيران على تصدير النفط وتأمين العائدات التي تحتاجها لمواصلة الحرب والمناورة.
إلغاء الاتفاقيات وبدء الحصار المالي
وفي ذات السياق المتصاعد، جاءت تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو لتقطع الشك باليقين وتضع المسمار الأخير في نعش التفاهمات الدبلوماسية القديمة، مؤكداً ببساطة أن مذكرة التفاهم قد انقضت بلا رجعة ولم يعد لها أي وجود واقعي. هذا الإعلان يعني أن واشنطن قررت التخلص من كل القيود والاتفاقات السابقة، والخطوط الحمراء المصطنعة التي كانت تعيق اندفاعاتها طوال السنوات الماضية.
النظام في إيران، بحسب الرؤية الأمريكية التي لا تهادن، سيبقى تحت ضغط مستمر يمنعه تماماً من الوصول إلى أي أموال أو أرصدة أو عائدات تستخدمها طهران لتمويل حضورها وشبكة أذرعها الإقليمية. لم تعد واشنطن تتحدث عن مفاوضات محتملة أو تفاهمات تحكمها أطر تقليدية، بل عن منظومة محكمة من العقوبات والحصار المالي، تسانده قوة عسكرية جاهزة لتنفيذ ضربات موجعة في أي لحظة، تماماً كما يلوّح ترمب في كل مرة بالجاهزية لتكرارها متى أملت الحاجة، في رسالة ردع قاطعة أمام أي محاولة لتحدي هذا الواقع الجديد.
خيارات ضيقة أمام طهران
وسط هذا المسار الصدامي المفتوح، تجد طهران نفسها أمام خيارات ومساحات محدودة. فأوراق الابتزاز التقليدية التي اعتادت استخدامها في مياه الخليج ومضيق هرمز تواجه هذه المرة إستراتيجية أمريكية تستهدف تحويل كلفتها إلى عبء مباشر على الاقتصاد الإيراني ولا تكتفي بالاحتواء أو امتصاص الصدمات.
والرهان القديم على إغلاق المضيق أو تعطيل حركة الملاحة العالمية لم يعد بالسهولة التي تتخيلها الدوائر الإيرانية، خصوصاً مع وجود عسكري أمريكي حاضر على مدار الساعة ليفرض أمراً واقعاً بالقوة. من هنا، تبدو الخيارات الإيرانية ضيقة: إما الدخول في مجابهة تصعيدية مكلفة ومباشرة، أو قبول واقع استنزاف طويل الأمد في ظل هيمنة أمريكية تحاول إعادة هندسة الإقليم، وهو مسار ترفضه طهران التي باتت تدرك أن هامش المناورة لديها تراجع، ولم يعد أمامها سوى محاولة الرد بكل ما تملك من أوراق لكسر هذا الحصار.
إلى أين تتجه المنطقة؟
المنطقة اليوم بأسرها تقف على حافة صفيح ساخن. فالاستعراض الأمريكي المستمر للقوة بات مساراً عملياً مدروساً يهدف إلى ربط أمن الطاقة العالمي بالمعادلة التي تفرضها واشنطن في هرمز. ومع تراجع فرص الوساطات الدبلوماسية التقليدية وجمود قنوات الحل السلمي التي كانت تبقي نافذة الأمل مفتوحة، يبدو أن الممر المائي الأهم في العالم دخل رسمياً مرحلة كسر العظم، وقد لا تسلم أسواق الطاقة، ولا استقرار الإقليم، ولا أمن الدول في المنطقة من تداعيات هذا الصراع المفتوح وما يحمله من احتمالات ستترك بصماتها على مستقبل المنطقة والعالم لسنوات طويلة قادمة.