من نافذة الطائرة، وقبل الهبوط في باكو، تبدو الأرض جافة في أجزاء واسعة منها، ثم يظهر بحر قزوين وتبدأ ملامح العاصمة الأذربيجانية في الاتساع، لكن الصورة من الأعلى لا تقول الكثير عما ينتظر الزائر في الأسفل.
«عكاظ» وصلت إلى باكو، وقررت أن تمشي فيها، بعيداً عن الصور السياحية الجاهزة، بحثاً عن المدينة كما يعيشها أهلها، وعن تاريخها، وصلتها بالعرب والمسلمين، وما الذي جعلها خلال السنوات الأخيرة حاضرة في خيارات السفر لدى السعوديين.
أول ما يلفت النظر هنا أن باكو لا تحاول إخفاء عمرها، ففي قلب العاصمة سور، وخلف السور مدينة كاملة تعرف باسم «إتشري شهر» تدخل إليها سيراً، فتضيق الطرق وتتغير الأرض تحت قدميك إلى حجارة، وتختفي المباني الزجاجية خلف بيوت قديمة، وشرفات ومساجد ومحلات صغيرة، هنا توجد باكو التي سبقت النفط والأبراج والفنادق الحديثة.
وفي أحد أشهر مواقعها يقف «برج العذراء»، ذلك البناء الحجري الذي أصبح رمزاً للمدينة، وعلى مسافة منه قصر الشروانشاه. والمنطقة بأكملها مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
لكن ما يهم الزائر السعودي والخليجي أكثر أن تاريخ هذه المدينة يحمل فصلاً عربياً قديماً.
وصل المسلمون إلى أراضي أذربيجان في القرن السابع الميلادي، ودخلت أجزاء واسعة منها ضمن الحكم الإسلامي. وتذكر اليونسكو التأثير العربي ضمن الطبقات الحضارية التي شكلت مدينة باكو المسورة، إلى جانب تأثيرات فارسية وعثمانية وروسية وغيرها.
لهذا لا يبدو المسجد داخل المدينة القديمة مبنى غريباً عن المكان. الإسلام هنا جزء من تاريخ البلد، وإن مرت أذربيجان لاحقاً بتحولات سياسية ودينية طويلة، كان من أكثرها تأثيراً وقوعها لعقود تحت الحكم السوفياتي.
لماذا النار؟
السؤال سيطارد الزائر منذ وصوله: لماذا ترتبط أذربيجان بالنار؟
الإجابة تحت الأرض، فالبلاد تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، وعرفت بعض مناطقها منذ القدم تسرب الغاز الطبيعي واشتعاله على سطح الأرض. ومن هنا ارتبطت النار بتاريخ هذه المنطقة حتى أصبحت جزءاً من صورتها وهويتها السياحية.
وفي باكو اليوم لا تحتاج إلى قراءة كتاب لتعرف مدى حضور هذا الرمز؛ ارفع رأسك ليلاً وسترى ثلاثة أبراج ضخمة على هيئة ألسنة لهب تضيء فوق المدينة: «أبراج اللهب».
غير أن الثروة التي غيرت باكو فعلياً كانت النفط.
في أواخر القرن التاسع عشر تحولت المدينة إلى واحدة من أهم مراكز صناعة النفط في العالم، وتدفقت إليها الأموال والاستثمارات والعمال. وتوسعت باكو خارج سورها القديم، وظهرت مبانٍ وشوارع جديدة لا يزال كثير منها قائماً حتى اليوم.
ولهذا يمكن فهم المدينة بصورة أفضل عندما تمشي فيها بدلاً من المرور بها بالسيارة.
داخل السور ترى باكو القديمة. تخرج منه فتجد مباني مرحلة الازدهار النفطي. تواصل باتجاه بحر قزوين فتصل إلى مدينة حديثة وفنادق ومراكز تجارية وأبراج جديدة.
السعوديون هنا
بالنسبة إلى السعودي، أصبحت المسافة إلى أذربيجان أقصر مما توحي به الخريطة.
رحلات الطيران والاهتمام السياحي المتزايد سهّلا الوصول، وجاء قرار أذربيجان بإعفاء المواطنين السعوديين من تأشيرة الدخول خلال الفترة من 15 فبراير 2026 إلى 15 فبراير 2027 ليضيف سبباً آخر لزيارة البلاد.
لكن باكو ليست كل أذربيجان، فخارج العاصمة تبدأ صورة أخرى؛ جبال وقرى ومدن صغيرة وغابات ومناطق تختلف في طبيعتها وطقسها عن ساحل بحر قزوين. وهذا ما ستذهب «عكاظ» للبحث عنه أيضاً في تقرير لاحق.