سمك لبن تمر هندي، ربما لا يوجد مثل شعبي أكثر قدرة على اختصار المشهد الذي يراه كثير من الجماهير في سوق الانتقالات، حين تختلف المعايير بين أندية يُفترض أنها تنتمي إلى مشروع استثماري واحد، بينما تتباين قدرتها على الاحتفاظ بالنجوم وتعويض المغادرين واستقطاب الأسماء الكبرى.
القضية ليست حرباً على الهلال ولا اعتراضاً على نجاحه في استقطاب النجوم. بل العكس، وجود فريق بهذه القوة يرفع سقف المنافسة، شريطة أن تكون لدى الآخرين الأدوات نفسها التي تسمح لهم بمنافسته، ومن الظلم مطالبة الهلال بأن يتراجع أو يضعف حتى يلحق به الآخرون.
الهلال يبحث عن مصلحته، ومن الطبيعي أن يستثمر كل فرصة متاحة لبناء الفريق الأقوى، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل الفرص المتاحة للجميع متكافئة أصلاً؟
نرى الهلال قادراً على إبرام صفقات ضخمة والاستغناء عن أسماء كبيرة، ثم العودة إلى السوق بحثاً عن أسماء أخرى من الصف الأول، بينما تشاهد جماهير الأندية المنافسة خروج نجوم من فرقها، ثم تنتظر التعويض، فإذا بالبديل في بعض الحالات أقل جودة فنية من اللاعب الذي غادر.
هنا يصبح السؤال أكبر من صفقة ولاعب ونادٍ، بل: كيف تستقيم عدالة المنافسة؟
يزداد الجدل عندما تُنسب بعض صفقات الهلال الكبرى إعلامياً أو جماهيرياً إلى دعم عضو شرف، قبل الاستحواذ، خاصة بعد أن تضاربت البيانات، لتزيد الأمر غموضاً، لذلك لا ينبغي أن يكون النقاش حول حق أي شخصية شرفية في دعم ناديها، وإنما حول كيفية تعامل اللوائح المالية مع هذا النوع من الدعم، إن حدث.
إذا كانت هناك صفقة بمبلغ ضخم يمولها داعم أو عضو شرف أو جهة مرتبطة بالنادي، كما يقال، فهل تدخل قيمتها كاملة ضمن مصروفات النادي والتزاماته؟ وكيف تُسجل محاسبياً؟ وهل تخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها نادٍ آخر عندما يريد شراء لاعب بالقيمة ذاتها من ميزانيته؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات معلنة وشفافة، ولا تحتاج إلى بيانات إنشائية ومتضاربة وفقيرة حسابياً.
فاللعب المالي النظيف يفقد معناه إذا أصبح بالإمكان، نظرياً، تجاوز القيود المالية بمجرد نقل فاتورة الصفقة من حساب النادي إلى داعم خارجي، ثم اعتبار الأمر منفصلاً عن القوة المالية الحقيقية للفريق.
ولا يعني ذلك تلقائياً أن أي صفقة مدعومة خارجياً مخالفة للائحة، فالحكم القانوني أو التنظيمي يحتاج إلى شفافية ومعرفة اللائحة المطبقة، وطريقة تسجيل الصفقة، ومصدر الأموال، وكيفية احتساب الدعم في القوائم المالية، ومن حق المنافسين والجماهير أن يسألوا: هل تخضع الأندية جميعها للمعايير نفسها؟
لا نريد أن يكون الهلال أضعف، بل نريد أن نرى منافسيه أقوى، فإذا صرّف الهلال نجماً يُعوّض بنجم عالمي مكانه، بينما يسحب نجم من منافسه، ويستقطب له لاعب أقل منه جودة، لذلك ستتسع الفجوة بين الأندية المتنافسة في الدوري، ولا يمكن أن نأتي في خضم الموسم ونقول للجميع: تفضلوا، الملعب بينكم والحكم للنتائج!
أي نتائج نتحدث عنها إذا لم تكن أدوات السباق متقاربة من البداية؟
تكافؤ الفرص لا يعني أن نعطي كل نادٍ المبلغ نفسه، ولا أن نفرض على الجميع التعاقد مع لاعبين بالمستوى ذاته. لكنه يعني وجود قواعد واحدة، وسقوف ومعايير معلنة، وآلية مالية لا يستطيع طرف تجاوزها، بينما يظل الآخر مقيّداً بها.
والحل ليس في الشائعات ولا في تبادل الاتهامات، الحل في الشفافية والإفصاح رقمياً وليس شكلياً.
من المهم الإعلان عن قيمة الصفقات، وآلية تمويلها، وما تتحمّله ميزانية النادي، وما يأتي من داعمين، وكيف يُحتسب ذلك ضمن اللوائح المالية.
وعندها، إذا كانت صفقة قيمتها عشرات أو مئات الملايين ومتوافقة بالكامل مع اللوائح، فليعرف الجمهور ذلك وتنتهي القضية.
أما ترك المشهد غامضاً، مع خروج بيانات متضاربة في توقيت واحد، وتداول عبارات من نوع «الصفقة تكفل بها فلان»، بينما تخضع أندية أخرى للترشيد والموازنة بين البيع والشراء والميزانيات، فمن الطبيعي أن يولّد شعوراً بعدم تكافؤ الفرص.
الدوري السعودي لا يحتاج هلالاً ضعيفاً، بل يحتاج هلالاً قوياً أمام نصر قوي، واتحاد قوي، وأهلي قوي، بحيث يصبح السؤال قبل المباراة: من سيفوز؟ وليس: من ابتلع الكعكة كلها، ومُنح الأدوات الأكبر؟
استقطاب النجوم لا يصنع دورياً عظيماً، بل ما يصنع ذلك هو التنافس والثقة بعدالة قواعد اللعبة.
وإذا كانت القواعد تختلف، أو بدت للجمهور وكأنها تختلف، بين نادٍ وآخر، وبين ميزانية وأخرى، وبين صفقة يدفعها النادي وأخرى يقال إن داعماً تكفل بها، فإن عنوان الميركاتو سيظل حاضراً في أذهان الجماهير تحت مثل: سمك لبن تمر هندي!
والسؤال الذي يستحق إجابة واضحة: هل مُنح منافسو الهلال في السوق نفس الأدوات والضوابط والفرص؟