استقال ياسر المسحل من رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم قبل انتهاء فترة ولايته بعام، بعد سلسلة من الإخفاقات التي رافقت المنتخب الوطني، كان آخرها مشاركته الأخيرة في بطولة كأس العالم.


-ومن وجهة نظري، فإن المشكلة لم تكن في غياب الإمكانات أو نقص الدعم، وإنما في سوء بعض القرارات التي اتخذها المسحل ومجلس إدارته، وهي المشكلة الأكبر التي عانى منها حبيبنا «أبو سلمان» طوال فترة رئاسته للاتحاد.


-ولا شك أن لمجلس إدارة المسحل إيجابيات، ولكنها لم تحظَ بالاهتمام الذي حظيت به سلبياته، وفي مقدمتها القرارات التي لم تكن دائماً بحجم المرحلة ولا بحجم الدعم والإمكانات التي توفرت للاتحاد.


-وكان من المفترض -في رأيي المتواضع- أن يكتفي المسحل بفترته الأولى، وألا يصر على الاستمرار لفترة ثانية، خاصة بعد أن أصبحت مؤشرات عدم الرضا الجماهيري والإعلامي واضحة.. لكن قاتل الله العناد!


-فالإصرار على الاستمرار رغم اتساع دائرة الانتقادات لم يكن في مصلحة المسحل ولا في مصلحة اتحادنا، وكانت النهاية التي وصل إليها اليوم نتيجة طبيعية لمسيرة كان يمكن أن تنتهي بصورة أفضل لو اتخذ قرار الرحيل في الوقت المناسب.


-ومن أهم النقاط التي أرى أن المسحل ومجلس إدارته لم يحسنا استثمارها، الدعم الاستثنائي وغير المسبوق الذي حصل عليه الاتحاد السعودي لكرة القدم، فمن الناحية المالية والإدارية والفنية والاستثمارية والتسويقية، حصل الاتحاد خلال السنوات الماضية على دعم كبير من مختلف مؤسسات الدولة الرياضية، وبالذات من وزارة الرياضة، التي قدمت للاتحاد دعماً لا أعتقد أنه كان متاحاً بهذا الحجم لرئيس اتحاد ومجلس إدارة في فترات سابقة.


-وهنا تحديداً يبرز السؤال الذي يستحق الإجابة.. إذا كان الدعم بهذا الحجم، فأين النتائج التي توازيه؟ولماذا لم ينعكس هذا الدعم الكبير بصورة أوضح على المنتخبات الوطنية، وعلى تطوير المسابقات، وعلى أداء اللجان، وعلى مستوى الاحتراف الإداري والفني؟


-ولهذا أرى أن الدعم وحده لا يصنع النجاح، وإنما حسن استثماره هو الذي يحوّل الإمكانات إلى إنجازات، وهنا تحديداً أعتقد أن المسحل ومجلس إدارته لم يوفقا في استثمار الفرصة كما يجب مما حتم عليهم مغادرة المشهد في غير الموعد له.


-من هذا المنطلق، أتمنى من رئيس اتحاد القدم الحالي بدر الرزيزاء وأعضاء مجلس إدارته، وهم في بداية مهمة صعبة، أن يستفيدوا جيداً من تجربة المسحل ومجلس إدارته، وألا يكرروا الأخطاء نفسها. إن المرحلة الجديدة تحتاج إلى قرارات مدروسة، وإلى مجلس لا يتردد في اتخاذ القرار الصحيح حتى لو كان صعباً، والأهم أن تكون القرارات مبنية على معايير واضحة، بعيداً عن المجاملات أو الحسابات الضيقة، ولعل أول اختبار حقيقي أمام مجلس الرزيزاء سيكون في ملف اللجان.


-فقد كانت بعض اللجان طوال الفترة الماضية محل انتقاد جماهيري وإعلامي واسع، وكان من الواضح أن هناك حالة من السخط تجاه أدائها، نتيجة قرارات أثارت الكثير من علامات الاستفهام، سواء فيما يتعلق بتطبيق اللوائح والأنظمة، أو اختلاف المعايير في بعض الحالات، أو ما بدا أحياناً وكأنه ازدواجية في التعامل مع القضايا. والأندية ومنافسات كرة القدم السعودية دفعت ثمن بعض هذه القرارات، كما أن العلاقة مع الإعلام الرياضي لم تكن دائماً في أفضل حالاتها، ووصلت بعض الخلافات إلى ساحات المحاكم.


-لذلك فإن إعادة تشكيل اللجان واختيار الكفاءات المناسبة لها يجب ألا يكون قراراً شكلياً، وإنما خطوة إصلاح حقيقية تعيد الثقة في عمل هذه اللجان، وتضع معايير واضحة وثابتة تطبق على الجميع دون استثناء.


-ومن الملفات التي تحتاج أيضاً إلى مراجعة جادة، النظام المتعلق برابطة المحترفين، خصوصاً فيما يخص استمرارية رئيس الرابطة وأعضاء مجلسها.. فالمرحلة الجديدة تتطلب إعادة النظر في كل ما يمكن أن يسهم في تطوير منظومة المسابقات، بما يضمن وضوح الصلاحيات، وتحديد المسؤوليات، وربط الاستمرار في المناصب بمستوى الأداء والإنجاز.


وبصريح العبارة نحن لا نريد تغييراً لمجرد التغيير، وإنما نريد تصحيحاً للمسار.


-أمام اتحاد الرزيزاء فرصة كبيرة للاستفادة من الدعم الذي سيحظى به من سمو وزير الرياضة الأمير المحبوب عبدالعزيز بن تركي الفيصل، وأقولها هنا بوضوح: لا أتحدث عن هذا الدعم من باب المجاملة، وإنما استناداً إلى ما شاهدناه خلال السنوات الماضية من تطور وإنجازات في قطاعات رياضية مختلفة، حيث إن سمو وزير الرياضة لا يعمل من موقع الوزير فقط، وإنما يمتلك خبرة متراكمة في إدارة المنظومة الرياضية والتعامل مع ملفاتها وأزماتها، إلى جانب رئاسته للجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية.


-ولهذا فإنني أرى أن اتحاد القدم أمام فرصة حقيقية للاستفادة من هذه الخبرة، خصوصاً أن نجاح أي منظومة لا يعتمد على حجم الدعم فقط، وإنما على حسن اختيار القيادات والكفاءات القادرة على تحويل هذا الدعم إلى نتائج ملموسة.. وهذا ما أتمنى أن يحرص عليه الاتحاد الجديد: اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب، بعيداً عن الأسماء والعلاقات، لأن المرحلة لا تحتمل المزيد من التجارب.


-ولعلني أستغل الحديث عن وزارة الرياضة لأشير إلى نقطة أراها في غاية الأهمية، وأتمنى من الاتحاد الجديد، وبالذات رئيسه بدر الرزيزاء أن يستفيد منها، وهي التواصل والتفاعل مع الإعلام.. إن الإعلام الرياضي ليس خصماً للاتحاد، حتى عندما ينتقده، بل هو أحد أهم الأطراف التي يمكن أن تساعده على اكتشاف الخلل وتصحيح المسار.. ولهذا أتمنى أن يصدر الاتحاد توجيهاً واضحاً بأن يكون لكل لجنة متحدث رسمي، تكون مهمته التواصل مع الإعلام والرد على الاستفسارات وتوضيح القرارات للرأي العام.


-كما أتمنى ألا يقتصر التواصل على البيانات الرسمية، وإنما يمتد إلى عقد مؤتمرات صحفية بين حين وآخر، والرد على استفسارات الجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أسوة بما تقوم به وزارة الرياضة من تواصل وتنسيق بين متحدثها الرسمي والجهات واللجان المعنية.. فالشفافية لا تضعف الاتحاد، بل تقويه، والصمت أمام الأسئلة لا يلغيها، وإنما يفتح الباب أمام الاجتهادات والشائعات.


-همسة أخيرة:


أما المنتخب الوطني، فتلك قصة أخرى.


إن الإخفاق الأخير لا يمكن اختزاله في استقالة رئيس الاتحاد، ولا في اسم مدرب أو لاعب، لأن القضية أكبر من ذلك بكثير.. هناك ملفات فنية وإدارية تحتاج إلى وقفة جادة، ومراجعة شاملة، وتشخيص صريح للأسباب التي أوصلت منتخبنا إلى هذه المرحلة، خصوصاً في ظل الدعم الكبير الذي تحظى به الرياضة السعودية.


لكن الحديث عن المنتخب يطول، وله تفاصيل كثيرة تستحق أن تُناقش بعيداً عن العاطفة والمجاملات. سوف أتطرق إليه في مقال لاحق بإذن الله.