التاريخ أحداث سردية، سواء كانت شفوية أو مكتوبة، والشفوي يتحوّل إلى مكتوب ذات يوم، فكيف تتولّد السردية التاريخية المكتوبة؟ وقبل هذا، ليس هناك تاريخ مكتوب من غير سياج أمني للكاتب، حتى المناقض لتلك السردية بحاجة إلى أمن لكي يكتب ما ينقض التاريخ السيار بين الناس.
ولكل أمة سردية خاصة بها، يتم ترسيخها لدى الأجيال المتتابعة، وهناك سرديات تُمحى بفعل الزمن، وتغيّر سلطاتها، إلا أن هناك سرديات تعبر الزمن بزوائد أو نواقص أو مغلطات، يستوجب تصويب كل زائد أو ناقص، وإيضاح مسار المثبت، والسردية عبر التاريخ الأزلي نحن متواجدون به، كون مكة أول بيت وضع للناس، ويصبح تجلية التاريخ من مهامنا الوطنية، وهي مهمة جديرة بأن تنهض بها كل المؤسسات المعنية بالجانب الثقافي والمعرفي، وأعتقد أن دارة الملك عبدالعزيز هي في لبّ هذه المهمة.
فالسردية التاريخية بحاجة للاهتمام ومسايرة الأزمان بالتصحيح وبث المعلومة الصحيحة، ولا تقتصر المهمة على التصحيح، بل أصعب منها بثّ الصحيح إلى بقية العالم، من خلال مؤسساتها ومثقفيها واستخدام كل وسيلة تواصل مع العالم.. سأذكر مثالاً عن السردية التاريخية التي تجتمع عليها الديانات الثلاث، وهي معركة (هرمجدون)، كإشارة إلى أنها علامة من العلامات الكبرى ليوم القيامة. سردية هذه المعركة مثبتة في عقول أناس هذا الزمن، خاصة رجال الديانات الثلاث. ويطيب للبعض استرجاعها حدثاً تاريخياً سيتحقق ذات يوم، وكل منهم لديه سردية مغايرة في استقبالها، وتتحوّل هذه الفكرة إلى أجندات بعيدة المدى يجب العمل على تنفيذ خطواتها، نعم، هي سردية تاريخيّة، وأجزم أن كل سردية يجعل لها أصحابها خاصيّة، والبعض يورّث تلك الحكايات.
وكثير مما نعيشه هذه الأيام من حروب، ما هي إلا مقدمة للأيام القادمة (حتى ولو كانت الحرب الدينية العظيمة مؤجلة إلى زمن غائب)، ويقيناً أحمله بأننا مستهدفون، سواء من خلال السردية التاريخية القديمة أو من خلال السردية المحرّضة حديثاً، والالتصاق بهذه السرديات ونقضها بما هو صائب يحفظ أمننا ويحقق الاستقرار والنمو.
أحياناً، يكون التاريخ له بواعث لا تخطر على البال.. ربما جئت لكم بنقطة خلاف بين الأمم يستوجب بيانها والمسايرة معها حفاظاً على الأمن وتصويب التاريخ.