ينخرط بعض المثقفين والكتّاب، ولا سيما المشاركين في الحوارات المرئية والمكتوبة، في مناقشة الأحداث المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج العربي على وجه الخصوص، في ظل مرحلة تتشابك فيها التحولات السياسية والأمنية والجيوسياسية على نحو غير مسبوق.
بيْد أنّ المتابع لما يُنشر ويُقال يلحظ، في بعض الأحيان، غلبة النظرة الأحادية والانحياز غير المبرر في قراءة التفاعلات الجارية، بما يُفضي إلى استنتاجات متعجلة لا تحيط بتعقيدات المرحلة ولا تستوعب أبعادها الإستراتيجية.
ولا تقتصر خطورة هذا الخطاب على تباين الآراء، فاختلاف الرؤى أمر طبيعي ومطلوب في أي فضاء فكري حي، وإنما تكمن المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى تجاذب سياسي حاد، أو إلى تنابذ يسهم في تأزيم الانقسامات، بدلاً من الأخذ بأساليب التهدئة والتعقل وبناء أرضية مشتركة. فالمرحلة الراهنة، بما تنطوي عليه من تحديات أمنية وتحولات جيوسياسية واستقطابات إقليمية، تستدعي الالتئام والتعاضد وإدراك وحدة المصير، لأنّ التشرذم لا يؤدي إلا إلى إضعاف المواقف وتعريض المكتسبات الوطنية والخليجية للخطر.
إن ما يُقرأ في بعض الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي يثير الاستغراب، لا سيما حين يصدر عن أصوات تنتسب إلى النخب الثقافية والفكرية، لكنها تبدو، عن قصد أو من دونه، أسيرةً لانفعالاتها الذاتية أو حساباتها الضيقة أو التأثيرات الخارجية. وقد تنساق بعض هذه الأصوات خلف سرديات القوى الإقليمية التي لا تنظر إلى المنطقة العربية إلا بوصفها ساحةً للنفوذ والمنافسة وإعادة تشكيل موازين القوى.
ويتجاهل هذا الخطاب، في أحيان كثيرة، حقائق الأزمات الراهنة وتطوراتها، وما تنطوي عليه من تهديدات تمس بنية النظام الإقليمي الخليجي، وتتجاوز المواثيق والاتفاقيات الدولية ومبادئ حسن الجوار وقواعد القانون الدولي، كما يغفل أنّ دول المنطقة تواجه تحديات تستهدف أمنها وسيادتها ومكتسباتها، فضلاً عن إنجازاتها التنموية التي لفتت أنظار العالم، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة، بما شهدته من رؤى وخطط طموحة تتطلع إلى التحديث والتنويع الاقتصادي والتجدد الحضاري.
ومن هنا، لا بد من ترسيخ حقيقة أساسية، وهي أنّ أمن الخليج يمثل إحدى الركائز الجوهرية للأمن العربي والمصالح العربية العليا. وأي محاولة لتغييب هذه الحقيقة أو تزييفها ستؤدي، في نهاية المطاف، إلى المساس بمقتضيات الأمن المشترك وإضعاف القدرة الجماعية على مواجهة التحديات.
وفي خضم هذه التطورات، تتوالى التساؤلات عن أسباب الارتباك في التفاعل مع الأحداث: كيف ينظر العالم إلينا، نحن أبناء منطقة تجمعها روابط التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، حين يرى هذا التباعد في المواقف، والتناقض في الخطاب، والانقسام في تقدير الأخطار؟ وأي وزن يمكن أن يكون للمنطقة في الحسابات الدولية إذا تحولت اختلافاتها الطبيعية إلى صراعات علنية تستنزف طاقاتها، وتضعف موقفها التفاوضي؟
تكريس هذه الانقسامات لا يجلب للمنطقة وشعوبها إلا مزيداً من المصاعب، بعدما استطاعت دول الخليج أن تجمع إرادتها السياسية تحت مظلة مجلس التعاون، وأن تؤسس مسيرة مشتركة تقوم على الاستقلال والتكامل والتنسيق. وفي الوقت نفسه، يحفظ المجلس لكل دولة عضو سيادتها وحرية خياراتها ومرونتها في بناء مواقفها السياسية، شريطة ألا تؤدي تلك الخيارات إلى الإضرار بالمصلحة الخليجية العامة أو السماح للمتغيرات الجيوسياسية والإستراتيجية بالنيل من قوة المجلس وتماسكه.
فالتنوع في السياسات لا يتعارض بالضرورة مع وحدة الغايات، واختلاف الاجتهادات لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو قطيعة. أما الثوابت الجامعة، وفي مقدمتها حماية الأمن الخليجي، وصون السيادة، واحترام حسن الجوار، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، فيجب أن تظل فوق الاعتبارات الظرفية والحسابات العابرة.
ومن هذا المنطلق، فإنّ بعض المشاركين في الصحافة والمنصات الاجتماعية يسهمون، همساً أو علناً، في تكريس الانقسامات، حين يعتمدون الانتقائية في تحليل الأحداث، أو الاستنسابية في طروحاتهم السياسية، أو يلجأون إلى اللغة الخشبية، أو يعيدون إنتاج سرديات لا تستند إلى رؤية متوازنة. المثقف الحقيقي لا يُقاس بحدة صوته ولا بقدرته على إثارة الجدل، بل بمهارته في فهم السياقات، والتمييز بين النقد المسؤول والتحريض، وبين حرية التعبير والإضرار بالمصلحة العامة.
إنّ التعامل مع التطورات الإقليمية بذهنية منغلقة أو انفعالية يعكس ارتباكاً في القراءة والتفاعل، ويزيد من حدة التوترات، بدلاً من أن يسهم في معالجة المشكلات. زد على ذلك أنّ التمترس خلف المواقف الجامدة، والانخراط في المزايدات، وإطلاق التصريحات المتسرعة، لا يؤدي إلا إلى تأزيم العلاقات وتقليص فرص التفاهم.
ويمثل هذا السلوك خروجاً عن مقتضيات الخطاب الثقافي الحصيف والضوابط المهنية، وتجاوزاً للنضج المعرفي والأخلاقي والاجتماعي الذي يفترض أن تتحلى به النخب. ومن يعاني خللاً في أدوات التحليل أو اضطراباً في ترتيب الأولويات، عليه أن يراجع مفاهيمه ويقوّم منهجه، قبل أن تتحول آراؤه إلى وقود لسجالات متوترة تزيد المشهد تعقيداً.
المرحلة الحالية، بلا ريب، دقيقة وخطيرة، وتتطلب تعزيز مسارات التفاهم، وتمتين أواصر اللحمة الخليجية، ورفع مستوى الوعي بما يُحاك للمنطقة وما يحيط بها من مخاطر. كما تقتضي حماية مقومات التنمية المستدامة، وصون المنجزات الوطنية، وتقديم المصالح العليا على الانفعالات والحسابات الضيقة.
الكلمة في زمن الأزمات ليست موقفاً عابراً، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية قد تسهم في بناء الوعي وتوحيد الصف، أو في تعميق الارتباك وتوسيع هوة الانقسام، وتآكل النسيج التاريخي.