أعلن الرئيس ترمب يوم الجمعة الماضي عن مسار جديد لإدارة الحرب مع إيران وصفه بالحرب الاقتصادية غير المسبوقة. الجديد في هذا الإعلان عن الحرب الاقتصادية غير المسبوقة، توسيعها لرقعة الحرب وأطرافها، حتى تطال كل من يساعد إيران على تجاوز العقوبات الاقتصادية الجديدة، بما فيها (ضمنياً) دول عظمى، مثل الصين وروسيا اللتين شاركتا ويشاركان إيران في تجاوز الجانب الاقتصادي من الحرب، التي شارفت على بلوغ الشهر السادس، ولم تنجح في تحقيق هدف واشنطن منها، بالذات هزيمة إيران عسكرياً وتغيير نظام الحكم في طهران، بعد استسلامه.
في حقيقة الأمر ليس هناك من جديد في الحرب الاقتصادية، التي أعلن عنها الرئيس ترمب... دعك من توقع إنجازها ما لم تفلح في إنجازه الحرب العسكرية، التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي بهجوم واسع مشترك من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، الذي أسفر عن مقتل رموز استراتيجية عليا في النظام الإيراني، على رأسهم المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي. من الناحية الاستراتيجية، أهم ما جاء به هذا الإعلان عن مسار جديد في الحرب، يُفهم منه ضمنياً أن الرئيس ترمب استبدل الأداة العسكرية التقليدية في إدارة وخوض الحرب وتحقيق الهدف منها بأداة أكثر نعومة وأدنى مضاءً، والحرب في أوج تصعيدها العنيف، انتظاراً لحسمها، قبل موعد انتخابات الكونغرس النصفية في الثالث من نوفمبر القادم.
لا أحد ينكر المتغيّر الاقتصادي وأهميته الاستراتيجية، لدى طرفي أي حرب. ربما تكون في الأوقات العادية الأداة الاقتصادية من أمضى أدوات السياسة الخارجية للدولة في محاولتها إدارة مصالحها وأهداف سياستها الخارجية على مسرح السياسة الدولية. ليس فقط أمضى أدوات السياسة الخارجية للدولة، بل قد تكون أقلها تكلفةً وأكثرها توقعاً لنتائجها. والأداة الاقتصادية، أثناء استعار الحرب، تتكامل مع الأداة العسكرية، ليس فقط في تحمّل تكلفة وأعباء الحرب، بل أيضاً، الاقتراب من تحقيق قرار خوض الحرب نفسها.
لكن الإعلان عن غلبة الأداة الاقتصادية في تحقيق أهداف الحرب، والحرب في أوج استعارها، مع اقتراب وضع أوزارها، وتوقع جني عائدها، لا يعني سوى أمر واحد: الإعلان عن عجز الأداة الرئيسية في إدارة الحروب، قبل حسم مصيرها، من قبل الطرف الذي يبدو أنه يتوقع النصر فيها. وهذا، ليس له سوى معنى واحد: أن الحرب لم تستنفد وقودها بعد، ولم يعد بالإمكان التحكم في حركتها العنيفة، ليس ضعفاً في الإمكانات القتالية، ولا وهناً في قوة الخصم، بل ببساطة: إعادة تقييم مسار الحرب وضغط زيادة تكلفة الاستمرار في مسارها العنيف، عمّا هو متوقع من عائدها.
ثم التحوّل للأداة الاقتصادية عن الأداة الأكثر ملاءمة مع طبيعة الحرب العنيفة (الأداة العسكرية)، خاصةً في مراحل الحرب المتقدّمة، فإن ذلك لا يساعد في حسمها.
الإعلان عن مسار جديد أقل تكلفة من استمرار حركة العنف المتولدة عن الحرب باستخدام أداة أكثر نعومة وأخف حدة وأدنى مستوى من العنف، يتناقض مع قرار توسعة رقعة الحرب وزيادة أطرافها، إذ إن ذلك من شأنه أن يرفع تكلفة الحرب نفسها. ثم إن قرار توسيع رقعة الحرب بزيادة أعداد أطرافها لا يشكّل قيمة ردع مضافة، لا للخصم الرئيس في الحرب، ولا لمن أضيفوا، إلى سعيرها المتقد. ترى هل يردع تهديد من يرى الرئيس ترمب مِمّن هو محتمل مساعدة طهران في تخطي خطوط الحرب الاقتصادية الحمراء الجديدة، وهو يقصد بالذات الصين وروسيا. فهاتان الدولتان منذ بداية الحرب وقفتا إلى جانب طهران؛ لأن مصالحهما الاستراتيجية والقومية كانت مع الوقوف مع طهران في التحايل على الآثار السلبية للحرب على إيران، بالذات الجانب الاقتصادي منها، الذي هو الإضافة الجديدة لجهود واشنطن في إدارة الحرب وخوضها.