من يبحث في عصر التنوير، الذي أُطلق عليه عصر النهضة، سيصل إلى إحباط سحيق، وستجده يردد: من عصر النهضة إلى عصر الردة.

وعصر النهضة العربية حركة فكرية استوطنت دولاً عدة، هي ما يطلق عليها دول المركز، وإن كانت حركة النهضة الفكرية تركّزت في مصر من خلال مجلاتها وجرائدها ومثقفيها، وأبعد مدى يمكن الإشارة لانطلاق تلك النهضة العربية (عصر التنوير) تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ومنذ ذلك الزمن لم تنتج الدول العربية شيئاً ذا بال وتحديداً في الجانب الصناعي أو العسكري، أو الصناعة الثقيلة، أو طرق أبواب العصور المتتابعة لما أنتجه العلم.

أكثر ما امتاز به عصر النهضة العربية أقوالاً تضارب أقوالاً، والاحتراب القولي على أفكار يعتبرها المستنيرون حداثية تبحث عن وسائل لإزاحة الأفكار القديمة، والأفكار القديمة أخذت أشواطاً زمنية طويلة في كبح انطلاق أي جديد، والتنوير لم ينفك من تلك المناكفات، ولكي يكون هناك معنى لذلك الاحتراب اللفظي ظهرت عشرات المصطلحات البانية والناقضة، وظهرت الثورات العربية من خلال العسكر، وتحوّل العسكر إلى بوصلة تشير إلى طريق المستقبل..

- أولئك العسكر لم يتنبهوا أنهم من مواليد اتفاقية سايس بيكو، ولم يتنبّه التنويريون إلى أن كل دولة لها مصالحها الخاصة، وأن الدول العربية لا يجمعها خيط واحد، وإن رفعت الوحدة العربية (الدين واللغة والمصير المشترك) هذه الخيوط كانت تفرق أكثر مما تجمع. ولأن بعض تلك الدول ضعيفة في الأساس كانت تبحث عن تثبيت معنى الدولة الوطنية، ولم يكن من وطنية تذكر، ومضى زمن ليس من شيء سوى تقليب الصفحات التي نبأت أصحابها أن الزمن الماضي أفضل من الراهن.. وكثير من شعوب الدول العربية (كمثال) تحن لزمن الرؤساء السابقين بالرغم من أن بعض أولئك الرؤساء كانوا في خانة المستبدين، الدكتاتوريين، لكن الواقع والشعوب تحن لذلك الاستبداد، وحين يكون الماضي أكثر إشراقاً وأملاً فهذا ليس ناقوساً يدق لإعلان حالة الخطر، بل إعلان عن فشل بعض تلك الدول وخروجها من أي معادلة سياسية. ومشكلة عصر التنوير أنه اعتبر أن الدول العربية يجمعها محيط جغرافي موحد، وتناسى - التنوير- أن كل الدول العربية دول مجزأة بعد الحرب العالمية الثانية، والمشكلة الأخرى زرعها التنويريون من خلال إيجاد طبقية بين الدول، فهناك دول رئيسة ودول تابعة، وكان خطاب التنوير نابذاً لدول أخرى (ما عرف بدول المركز والأطراف). كل نتائج الخطاب التنويري سقطت بأسباب عديدة قد يكون أهمها رأسها المدبب هم العسكر. الآن، ماذا تبقّى من عصر التنوير؟

أعتقد أن هناك «يافطة» كبيرة كُتب عليها:

- الهروب من الواقع!