الرياض جاذبةُ القلوب ومدينةُ التطور وموطنُ الأحلام التي تتحول إلى واقع. عشقها ليس كأي عشق ففي لحظاتها متعةٌ للوقت وفي نهارها عملٌ لا يهدأ وتطورٌ لا يتوقف وفي ليلها أُنسٌ وسهرٌ وحياة.
تدخلها فلا ترغب في مغادرتها، وحين تقرر الرحيل يبدأ الحنين إليها قبل أن تبتعد عنها، كأنّ للرياض قدرةً عجيبة على أن تسكن القلب قبل أن يسكنها الإنسان.
«وفاتنةٌ أنتِ مثلُ الرياضِ
ترقُّ ملامحُها في المطر»
— غازي القصيبي
اليوم تقف الرياض أمام لحظة مختلفة لا لتنسى أمكنتها القديمة وهي تمضي سريعًا نحو المستقبل، بل لتأخذ ذاكرتها معها وتعيدها إلى قلب الحياة.
فالرياض لم تعد مجرد عاصمة تستعد لحدث عالمي إنها مدينة تتغير بوتيرة استثنائية، إذ أصبحت خلال أقل من عقد وجهةً عالمية للأعمال والثقافة والرياضة والترفيه. ومع إكسبو 2030 يبرز سؤال يستحق التفكير: هل يمكن لهذا الحدث أن يعيد قلب الرياض إلى القلوب؟
في وسط الرياض ثروة حضرية لا يمكن إعادة صناعتها: قصر الحكم، المصمك، شارع الثميري، سوق الزل، المعيقلية، المربع، المتحف الوطني، والحدائق والأسواق التاريخية المحيطة بها والكثير. ليست هذه مجرد مبانٍ وأسواق، بل ذاكرة اقتصادية واجتماعية وشواهد حيّة على تاريخ مدينة صنعت هويتها بين التجارة والمكان والإنسان.
وهنا تكمن الفرصة: ألا يكون إكسبو حدثًا منفصلًا عن المدينة، بل محفزًا لإعادة إحياء قلبها التاريخي وربطه بتجربة الزائر فيشاهد المستقبل في إكسبو ثم ينتقل إلى وسط الرياض ليرى القصة التي جاء منها هذا المستقبل.
ويمكن أن يتشكل مسار حضري وسياحي يبدأ من المربع والمتحف الوطني، قصر الحكم، المصمك، الثميري، سوق الزل، المعيقلية والأسواق التاريخية. مسار يعيد تقديم المكان وجهةً للتاريخ والتجارة والسياحة والثقافة عبر إعادة توظيف المباني وتحسين المشهد الحضري ومسارات المشاة والساحات ووسائل الوصول، واستقطاب المطاعم والمقاهي والحرف والفنون والمنتجات المحلية مع صون هوية المكان وروحه.
فالعالم يستطيع إنشاء شارع تجاري جديد خلال سنوات، لكنه لا يستطيع أن يصنع ذاكرة شارع عمرها من عمر المدينة.
واقتصاديًا لا تقف آثار إعادة التأهيل عند جمال المشهد، فتحسين الوصول وجودة الفضاء العام وتنوع الاستخدامات يرفع حركة المشاة ويطيل مدة بقاء الزائر وينشط الطلب التجاري ويعزز قابلية العقارات للاستثمار وإعادة الاستخدام، وقد يمتد أثر القيمة إلى النطاق العمراني المحيط. وهكذا يتحول الإنفاق من تكلفة مرتبطة بحدث إلى رأسمال حضري طويل الأجل.
وتؤكد تجارب المعارض العالمية أهمية ما بعد الحدث، ففي ميلانو لم تنتهِ قصة Expo 2015 بإغلاق أبوابه، بل انتقل الموقع إلى مرحلة جديدة من إعادة التوظيف والتطوير ضمن MIND – Milano Innovation District.
فالنجاح الحقيقي للمعارض الكبرى لا يُقاس بعدد زوارها خلال أشهر فقط، بل بما تتركه من قيمة اقتصادية وعمرانية واجتماعية لعقود.
تخيل زائرًا جاء إلى الرياض عام 2030 شاهد الابتكار وأجنحة العالم نهارًا ثم سار مساءً بين المصمك والثميري وسوق الزل وقصر الحكم وامتدت رحلته إلى المربع والمتحف الوطني. قد ينسى بعد سنوات بعض ما شاهده في أجنحة إكسبو، لكنه لن ينسى المدينة التي شعر بها.
فإكسبو ينتهي، والوفود تغادر، والأضواء تخفت...
أما الرياض فتبقى، والذاكرة أبقى.
«قِفا ودِّعا نجدًا ومن حلَّ بالحِمى
وقلَّ لنجدٍ عندنا أن يُودَّعا»
— الصمّة القشيري
منذ أن كان الحنين إلى نجد يُقال شعرًا ظل المكان هنا أكبر من جغرافيا ذاكرةً وهويةً وانتماءً.
ولعل أجمل إرث لإكسبو ألا نقول بعد 2030: هنا استضفنا العالم، بل نقول:
من هنا.. عاد قلب الرياض ينبض، وأصبحت ذاكرته جزءًا من ذاكرة العالم.