بين أن تناقش مجتمعاً، وأن تعيد تعريفه، مسافة كبيرة، فالأولى حق مشروع، أما الثانية فتبدأ حين يقرر أحدهم أن يضع للمجتمع قاموساً جديداً، ثم يطالبه بأن يرى نفسه من خلاله.

وهذا تحديداً ما تفعله بعض الأيديولوجيات، فهي لا تدخل مجتمعاً معلنة أنها تريد تغيير هويته، بل تبدأ من مكان أكثر ذكاءً، تعيد تسمية الأشياء، ثم تعيد تفسيرها، ثم تقدم تفسيرها باعتباره الحقيقة الوحيدة الممكنة.

فجأة تصبح العلاقة بين الرجل والمرأة «صراعاً»، والأسرة «منظومة سلطة»، والاختلاف الاجتماعي «اضطهاداً»، والتدين «تطرفاً» عند فريق، أو ملكية خاصة للحقيقة عند فريق آخر، والدفاع عن المواطن عند بعض الشعبويين مبرراً لتحويل كل قضية إلى مواجهة بين المواطن ودولته.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل ضرورياً:

من أعطاكم حق إعادة تعريف المجتمع السعودي؟

من قال، إن المرأة السعودية تحتاج إلى أيديولوجيا كي تعرف حقوقها؟

ومن قال، إن الرجل السعودي يجب أن يوضع في قفص الاتهام كي تنتصر المرأة؟

ومن قال، إن الدين يحتاج إلى متطرف يحتكر الدفاع عنه؟

ومن قال، إن المواطن يحتاج إلى شعبوي يزايد باسمه؟

والسؤال الأهم، من قال، إن المجتمع السعودي يحتاج إلى أحد كي يشرح له من يكون؟

المشكلة ليست في الأفكار، فالمجتمع الذي يخاف الفكرة مجتمع ضعيف، والسعودية ليست كذلك، المشكلة تبدأ عندما تتحول الفكرة إلى أيديولوجيا مغلقة، لا تكتفي بمناقشة المجتمع، بل تعيد تصنيفه وفق ثنائياتها الجاهزة، «ضحية وجلاد»، «تقدمي ورجعي»، «مؤمن ومنحرف»، «مواطن وسلطة»، «رجل وامرأة».

هذه ليست قراءة للمجتمع، بل محاولة لامتلاك تفسيره.

والأخطر، أن كثيراً من هذه القوالب لم يولد من تجربتنا السعودية أصلاً، بل جاء محملاً بتاريخ مجتمعات أخرى، وصراعاتها مع الدين، والأسرة، والسلطة، والرجل، والمرأة، ثم جرى استيراد الأسئلة والإجابات معاً، وكأن على السعودي أن يخوض حروباً لم تبدأ على أرضه، لكي يثبت أنه يعيش في العصر الحديث.

هنا تظهر «معركة المصطلح»، وهي أخطر مما تبدو عليه.

من ينجح في تسمية الأشياء، يقطع نصف الطريق إلى التحكم في تفسيرها، لأنك حين تقبل المصطلح، قد تكون قبلت جزءاً كبيراً من الفكرة التي يحملها قبل أن يبدأ النقاش.

حين تقبل أن كل اختلاف بين الرجل والمرأة «صراع»، فقد دخلت القاموس النسوي المتطرف، وحين تقبل أن كل اختلاف مع متدين «عداء للدين»، فقد دخلت قاموس التطرف، وحين تقبل أن كل نقد «خيانة»، أو أن كل غضب «وطنية»، فقد سلمت عقلك للشعبوية.

السعودية، في المقابل، لم تنتظر أياً من هذه الأيديولوجيات لكي تتغير.

الدولة قادت خلال السنوات الماضية تحولاً اجتماعياً وتشريعياً واقتصادياً هائلاً، توسعت حقوق المرأة ومشاركتها، وتغيرت بيئة العمل، وتطورت التشريعات، واتسعت خيارات الفرد، وأعيد تنظيم مساحات واسعة من الحياة العامة، وحدث ذلك داخل مشروع وطني سعودي، تقوده الدولة، ويتطور من داخل المجتمع، لا بإملاء جماعة أيديولوجية عليه.

وهنا تكمن مشكلة بعض الخطابات، فنجاح الإصلاح من داخل الدولة يسحب من الأيديولوجي أخطر ادعاءاته، أنه الطريق الوحيد إلى التغيير.

لذلك لا تنتهي بعض المعارك عندما يتحقق المطلب، بل يتغير اسم المعركة، لأن الأيديولوجيا التي بنت وجودها على الصراع، لا يناسبها دائماً مجتمع يحل مشكلاته من دونها.

والمسألة هنا أكبر من النسوية، وأكبر من التطرف، وأكبر من الشعبوية، إنها تتعلق بمفهوم «السيادة على تعريف الذات».

فكما لا سيادة لدولة لا تملك قرارها، لا تكتمل سيادة مجتمع يسمح للآخرين باحتكار تعريفه.

نحن لا نحتاج مجتمعاً مغلقاً يحظر الأفكار، ولا مجتمعاً ساذجاً يستقبل كل فكرة قادمة باعتبارها تقدماً، بل مجتمعاً واثقاً يعرف نفسه، يأخذ من العالم ما يفيده، ويرفض ما لا يناسبه، ويصلح أخطاءه، ويطور تشريعاته، ويحمي حقوق أفراده، من دون أن يسلم مفتاح تعريف ذاته لأي أيديولوجيا، مهما كان الشعار الذي تتدثر به.

نقطة آخر السطر:

السيادة ليست حدوداً نحميها فقط، السيادة أيضاً أن نملك تعريفاتنا، ومفاهيمنا، والطريقة التي نرى بها أنفسنا.

السعودية غيّرت نفسها بإرادتها، وستواصل تغيير نفسها بإرادتها، أما تعريف المجتمع السعودي فليس فراغاً أيديولوجياً ينتظر أحداً ليملأه.

نحن نعرّف أنفسنا.