بدأ الأمر بسؤال عابر في جلسة مع أصدقاء.. كيف تُصنَّف السعودية عالمياً ؟ سؤال بدا بسيطاً، لكنه سرعان ما قاد إلى نقاش أكثر تعقيداً حول معنى أن تكون الدولة «متقدمة» أصلاً. كان هناك اتفاق واسع على ما هو أكثر أهمية من المصطلحات. المملكة تتمتع بمستويات عالية من الأمن والاستقرار، وشهدت خلال السنوات الأخيرة تحولاً ملموساً في قطاعات متعددة. ولعل التقنية والخدمات الرقمية هي المثال الأكثر حضوراً في الحياة اليومية، فإتمام معاملة حكومية، تأسيس نشاط أو تنفيذ خدمة مصرفية، أصبح في حالات كثيرة أسرع وأسهل مما يواجهه الفرد في بعض الاقتصادات التي اعتدنا وصفها بالمتقدمة، بما فيها دول أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية. لكن سهولة الخدمات وجودة البنية التحتية لا تحسم وحدهما تصنيف الاقتصاد. لا توجد، في الواقع، شهادة دولية موحدة تحمل اسم «الدولة المتقدمة». البنك الدولي يصنف الاقتصادات أساساً وفق مستويات الدخل، بينما تقيس مؤشرات التنمية البشرية مزيجاً من الدخل، التعليم والصحة. أما المؤسسات الاقتصادية الدولية الأخرى فتنظر إلى عناصر إضافية، من بينها تنوع الاقتصاد، عمق الأسواق المالية، الإنتاجية، هيكل الصادرات، جودة المؤسسات ومدى اندماج الاقتصاد في المنظومة العالمية. وهنا تكمن المفارقة السعودية... المملكة اقتصاد مرتفع الدخل، عضو في مجموعة العشرين، تملك بنية تحتية ورقمية متقدمة، لكنها لا تزال في بعض التصنيفات الدولية ضمن الاقتصادات الناشئة لا المتقدمة. هذا ليس مجرد نقاش لغوي. بل يمكن أن يشكل أساساً لسؤال إستراتيجي مهم حول المرحلة التالية من رؤية السعودية 2030. لقد نجحت الرؤية في تغيير اتجاه الاقتصاد والمجتمع وفي تحويل أهداف كانت تبدو بعيدة إلى برامج ومؤشرات أداء ومشروعات قابلة للقياس. ومع اقتراب 2030، قد يكون من المناسب الانتقال من سؤال ماذا نريد أن نغيّر؟ إلى سؤال أكثر طموحاً.. ما الموقع العالمي الذي نريد أن تحتله المملكة في 2040 و2050؟ المرحلة المقبلة يمكن أن تتبنى هدفاً وطنياً واضحاً.. أن تصبح السعودية ضمن الاقتصادات الأكثر تقدماً اقتصادياً واجتماعياً ومالياً، ليس بالوصف، وإنما وفق مجموعة محددة وشفافة من المؤشرات الدولية. وهذا يتطلب أهدافاً أكثر دقة.. رفع إنتاجية الفرد والدخل الحقيقي، تعميق مساهمة القطاعات غير النفطية والصادرات ذات القيمة المضافة، تطوير جودة التعليم والبحث العلمي والابتكار، زيادة عمق وكفاءة الأسواق المالية، تعزيز تنافسية المدن، جودة الحياة وكفاءة المؤسسات. ويمكن الذهاب أبعد من ذلك بوضع لوحة مؤشرات وطنية للتقدم، تختار المملكة من خلالها أهم عشرة أو عشرين مؤشراً عالمياً، وتحدد لكل منها ترتيباً مستهدفاً لعامي 2040 و2050. عندها يصبح الانتقال إلى مصاف الدول المتقدمة مشروعاً قابلاً للقياس والمساءلة، وليس مجرد وصف اقتصادي فضفاض. لكن ثمة نقطة أكثر أهمية.. لا ينبغي أن يصبح تحسين التصنيفات غاية بحد ذاته. الدولة المتقدمة ليست التي تتقدم في الجداول الدولية فقط، بل التي يشعر مواطنوها بنتائج ذلك في دخله، إنتاجيته، تعليمه، صحته وفرص أبنائه، ويشعر المستثمر فيها بسهولة المنافسة والنمو، ويستطيع اقتصادها الاستمرار والازدهار حتى عندما تتغير أسعار النفط أو تتعرض الأسواق العالمية للصدمات. رؤية 2030 أثبتت أن تحديد أهداف كبيرة ومعلنة يمكن أن يحرك مؤسسات واقتصاداً كاملاً في اتجاه واحد. وربما يكون التحدي السعودي التالي هو البناء على هذه التجربة وصياغة طموح لما بعدها. عندها لن يكون السؤال في مجالسنا.. هل السعودية دولة متقدمة؟ سيكون السؤال الأكثر أهمية.. ما الذي بقي أمامها لتصبح بين أكثر دول العالم تقدما؟