الناس في الدنيا ليسوا على حد سواء، ولا تمضي بهم الأيام على مسار واحد من الوصول للأهداف التي ينشدها كل فرد، فلا الجمال هو من يملك لك مفاتيح الأبواب المغلقة، ولا الذكاء قادر على أن يجلب لك القمة، ولا الاجتهاد يكفل للإنسان الوصول إلى ما يريد.
وقد نرى من تمنحه الأيام طريقاً ممهداً، وهو لم يبذل مثقال ذرة من تعب أو جهد، بينما تجد من يقبع على قارعة الطريق من هو أصدق قلباً وأنقى سريرة، وأعمق أثراً، لا لأنه أقل حظاً من سابقه، بل لأن المجاملات تحتفي دائماً بالمظهر الخداع ولا تحسن اكتشاف الجوهر المصون.
فليس كل من قدم لمجتمعه شيئاً يستحق الثناء لمجرد أنه قدم؛ فالعطاء لا تقاس قيمته بمجرد العطاء، بل بما يترك أثراً في القلوب، وأجمل العطاء ما صان كرامة الإنسان، وراعى مشاعرهم، وجعلهم شركاء في الفرح لا شهوداً على تحقيق ما تصبو له نفسه من أهداف، فما قيمة يد تمنح إن كانت في مسار عطائها تكسر خاطراً، أو تجرح شعوراً، أو تجعل من آلام الناس وأحزانهم سُلَّماً لإرضاء غرور عابر!
وهنا يأتي حس المسؤول وكل من له علاقة؛ أن يكون صارماً في حماية مشاعر الناس وكرامتهم، وألا يسمح لأحد مهما كان عطاؤه أن يتهاون بها ليحقق لنفسه مجداً ورفعة وصيتاً على حساب مشاعر الآخرين وأحاسيسهم؛ فبعض التجاوزات لا يصلح معها الصمت، وبعض المشاعر إذا كسرت لا يجبرها اعتذار متأخر.
فليست القيمة في ما نملكه أو نقدمه أو في مقدار ما يصفق لنا الآخرون، بل في الأثر الذي نتركه في نفوسهم؛ فكم من إنسانٍ قليل العطاء عظيم الأثر، وكم من عطاءٍ كثيرٍ أفسده صاحبه حين نسي أن أجمل ما يمكن أن يقدمه للناس هو أن يحفظ لهم قدرهم.
أخيراً
إن الأيام ومع مرور الزمن كفيلة للبشر بأن تنسيهم أجمل العطايا، لكنهم قلما ينسون كيف عاملت قلوبهم؛ فكم من يد لم تمنح كثيراً، لكنها بقيت عزيزة في الذاكرة، وكم من يد أغدقت العطاء ثم رحلت وتركت في القلب ألف غصَّة!