كشفت المفاوضات الأخيرة بين الحكومة الفنزويلية والمعارضة عن تحوّل لافت في موقف السلطات تجاه الرئيس السابق نيكولاس مادورو، بعدما خلا جدول أعمال جلسات التفاوض من أي مطالبة بإطلاق سراحه أو إعادته إلى فنزويلا، رغم أن الحكومة كانت قد جعلت قضيته في السابق أولوية سياسية.

ووفق ما نقلته تقارير إعلامية عن مشاركين في المفاوضات، لم تطرح حكومة الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز قضية مادورو خلال خمس جلسات عقدت على مدى نحو أسبوعين، في مؤشر اعتبره مراقبون الأكثر وضوحًا حتى الآن على أن كاراكاس باتت تتعامل مع احتجاز الرئيس السابق باعتباره ملفًا منفصلًا تتركه للقضاء الأمريكي.

وكانت رودريغيز قد أدانت في وقت سابق احتجاز مادورو وزوجته سيليا فلوريس على يد القوات الأمريكية، ووصفت العملية بأنها اعتداء على فنزويلا، فيما تعهد مسؤولون موالون لمادورو بمواصلة الضغط من أجل الإفراج عنه.

مفاوضات تركز على الانتخابات والاقتصاد

وركزت الجولة الأولى من الحوار بين الحكومة والمعارضة بصورة أساسية على ترتيبات المرحلة السياسية المقبلة، بما في ذلك بحث خطوات تمهد لإجراء انتخابات رئاسية جديدة، إلا أن المفاوضات لم تُسفر عن نتائج حاسمة في هذا الملف.

وبدلًا من ذلك، انصبّ جانب مهم من النقاش على احتياجات إعادة إعمار البلاد في أعقاب الزلازل المدمرة التي ضربتها في يونيو، إلى جانب المطالبة بإعادة نحو أربعة مليارات دولار من الذهب الفنزويلي المحتفظ به في خزائن بنك إنجلترا.

كما اتفق الطرفان على بدء العمل لإصلاح منظومة العدالة، فيما أعلنت الحكومة الإفراج عن 131 سجينًا سياسيًا عقب انتهاء المحادثات. غير أن منظمة (فورو بينال) الحقوقية قالت إنها تمكنت من التحقق من الإفراج عن 78 شخصًا على الأقل.

تراجع حضور مادورو في المشهد الرسمي

ويرى محللون أن غياب قضية مادورو عن المفاوضات يعكس تغيرًا سياسيًا داخل السلطة الفنزويلية، خصوصًا مع ابتعاد رودريغيز تدريجيًا عن الخطاب الذي كان يضع الرئيس السابق في قلب المشهد السياسي.

وتشير مؤشرات عدة إلى هذا التحول؛ من بينها إزالة عدد من اللافتات والملصقات التي كانت تطالب بالإفراج عن مادورو وزوجته من شوارع المدن الفنزويلية، فضلًا عن طمس بعض الجداريات المؤيدة له. كما باتت رودريغيز تتجنّب، إلى حد كبير، ذكر مادورو في ظهوراتها العلنية، في وقت تتجه فيه إلى تعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، بينما شهدت علاقات عدد من الشخصيات النافذة في النظام مع واشنطن تغيرات لافتة.

مادورو لا يزال يحظى بولاء أنصاره

ورغم تراجع حضوره الرسمي، لا يزال مادورو يحتفظ بدعم قطاعات متشددة من أنصار التيار (التشافيزمي)، الذين يرون أن إطاحته واحتجازه يمثلان تدخلاً أمريكيًا في شؤون فنزويلا. ويعتقد بعض هؤلاء أن مادورو تعرّض للخيانة من جانب شخصيات مقربة منه، وأن تسليمه للسلطات الأمريكية كان نتيجة صراع داخلي داخل النظام.

في المقابل، أثارت المفاوضات نفسها انقسامات داخل المعارضة الفنزويلية، خصوصًا بسبب استبعاد شخصيات بارزة من الحوار؛ من بينها زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام.

وتشير التطورات الأخيرة، بحسب محللين، إلى أن القيادة الجديدة في كاراكاس تضع بقاء النظام وإعادة بناء الاقتصاد وتثبيت علاقاتها الدولية في مقدمة أولوياتها، حتى لو تطلب ذلك الابتعاد عن قضية مادورو وترك مسارها للمحاكم الأمريكية.