لنا نحن الكتاب الرياضيين مع «عكاظ» حكاية خاصة، بدأت من صفحاتها الرياضية، ومن أسماء وأقلام صنعت حضورها في ذاكرة القراء، ومن أيام كانت فيها الصفحة الرياضية موعداً يومياً مع الخبر والرأي والتحليل.
في تلك الصفحات عشنا تفاصيل الرياضة، تابعنا المباريات والأحداث، وقرأنا آراء كتاب كانت لهم بصمتهم وأسلوبهم الخاص. كان للمقال وقته، وللكاتب حضوره، وللقارئ علاقة مختلفة مع الصحيفة؛ يبحث عن اسمه المفضل، ويتوقف عند رأيه، ويحتفظ بما يستحق أن يبقى في الذاكرة.
ومن هنا يأتي السؤال: هل ماتت الصحافة الورقية؟
ربما تغيرت عادات القراءة، وتغيرت معها طريقة وصول الخبر إلى القارئ. جاء الإنترنت، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح الخبر يصل في لحظته، وأصبح القارئ يتابع الحدث الرياضي بالصورة والفيديو والتعليق والتفاعل، لحظة بلحظة.
لكن الصحافة بالنسبة لنا كانت أكثر من خبر يصل إلى القارئ. كانت حكاية تبدأ من الصفحة وتنتهي عند القارئ. في الصحيفة الورقية مساحة للقراءة الهادئة، وللمقال الذي يحتاج إلى وقت، وللرأي الذي يفتح باب النقاش. وكانت الصفحة الرياضية تحديداً تجمع الخبر والتحليل والرأي في مكان واحد، وتمنح الكاتب مساحة يترك فيها بصمته.
وفي المشهد الصحفي السعودي، تظل «عكاظ» واحدة من الصحف التي عاشت هذه التحولات وواكبتها، بتجربة تمتد لأكثر من ستة عقود منذ صدورها في مايو 1960. وخلال هذه الرحلة الطويلة، حضرت «عكاظ» في ذاكرة أجيال من القراء، وكانت الرياضة إحدى المساحات التي صنعت حضورها، من خلال أخبارها وتقاريرها وكتابها ومتابعتها للأحداث الرياضية.
ومع انتقال الإعلام إلى الفضاء الرقمي، اتسعت تجربة «عكاظ» لتشمل منصاتها الإلكترونية، وأصبح المحتوى الرياضي يصل إلى القارئ بطرق متعددة، أسرع وأكثر تفاعلاً. وهنا وجد الكاتب الرياضي نفسه أمام مساحة جديدة؛ يكتب للصحيفة، ويصل إلى القارئ عبر الشاشة، ويتابع ردود الفعل والتعليقات في وقت قصير.
وشهد عام 2020 محطة مختلفة في مسيرة الصحافة، مع تداعيات جائحة كورونا، حين توقفت «عكاظ» مؤقتاً عن إصدار نسختها الورقية في مارس، قبل أن تعود وتواصل مسيرتها في مرحلة إعلامية جديدة. كانت تلك الفترة اختباراً حقيقياً لعلاقة الصحافة بالورق، وكشفت في الوقت نفسه عن اتساع الدور الذي أصبحت تؤديه المنصات الرقمية.
وبالنسبة لنا ككتاب رياضيين، بقيت العلاقة مع «عكاظ» مرتبطة بتلك الصفحات التي احتضنت أقلاماً وأسماء وأحداثاً رياضية كثيرة. ما زلنا نتنفس هواءها من خلال ما تقدمه من آراء ومواد ومتابعات، وما زالت الرياضة مساحة حاضرة في علاقتها بالقارئ.
الفرق أن القارئ اليوم قد يقرأ المقال نفسه على شاشة هاتفه بدلاً من صفحة ورقية، وقد يتفاعل معه خلال دقائق، بينما كان المقال في السابق ينتظر القارئ في موعد صدور الصحيفة. تغير الموعد، وتغيرت الوسيلة، وبقيت قيمة الكلمة هي الأساس.
فالورق يحمل ذاكرة أجيال من القراء، والمنصات الرقمية تحمل سرعة الحاضر واتساع الوصول. وبينهما تستمر الصحافة في صناعة الخبر والرأي والتحليل، وتستمر الرياضة في منح الكاتب أحداثاً وحكايات ومساحات جديدة للكتابة.
لهذا أرى أن السؤال اليوم ربما يحتاج إلى صياغة مختلفة: كيف تحافظ الصحافة على روحها وهي تنتقل من الورق إلى الشاشة؟
بالنسبة لنا، ستبقى رائحة الورق مرتبطة بذكريات جميلة؛ بصفحة رياضية انتظرناها، ومقال قرأناه، واسم كاتب اعتدنا أن نبحث عنه، وحدث رياضي عاش معنا تفاصيله عبر الصحيفة. وفي الوقت نفسه، ستبقى الشاشة جزءاً من حاضرنا، بما تمنحه من سرعة وانتشار وتفاعل.
ومن صفحات الرياضة في «عكاظ» بدأت حكايات كثيرة، ومع كل تحول في الإعلام تتجدد الحكاية. تتغير الصفحة، وتتغير الوسيلة، ويبقى الكاتب الرياضي يبحث عن الكلمة التي تصل إلى القارئ.
وربما هنا تكمن الإجابة: الصحافة الورقية تغيّر شكل حضورها، لكن حكاية الصحافة مستمرة.
وتواصل «عكاظ» رحلتها حاملة أكثر من ستة عقود من الذاكرة الصحفية، وبين صفحاتها الورقية ومنصاتها الرقمية تبقى الرياضة واحدة من الحكايات التي تجمع الكاتب بالقارئ، وتبقى الكلمة هي المساحة التي لا تتغير مهما تغيرت الوسيلة.