في تقديري لا يوجد سؤال أكثر سذاجة من لماذا تحرك الحوثيون الآن عسكرياً لقصف ميناء المخا ومناطق أخرى في اليمن؟ فالسؤال عن الحوثيين باعتبارهم كياناً مستقلاً، ناهيك عن كونهم دولة، سؤال به عوار منطقي ويعزّز سردية إيران في القول بأن أذرعها هم كيانات مستقلة وليسوا أكثر من حلفاء وأصدقاء، لدرجة تشعر أنهم يتحدثون عن الحزب الاشتراكي الموحد في فنزويلا.
وبالتالي فالسؤال هو لماذا تحركت إيران في اليمن الآن، وهنا يجب أن ننطلق من الطبقات الخارجية للداخلية، فالطبقات الخارجية أو طوق إيران من أذرعها تداعى بشكل كبير كما هو معروف بضربة قاضية في سوريا أنهت حليفاً رئيسياً في العقود الأربعة الماضية، وجفّفت لحد كبير معابر السلاح لحزب الله.
الحزب بدوره كان يدير خط بيروت الشام بريا خلال فترات طويلة من الثورة السورية، وكان بدوره ميناء بيروت مخزن النترات سيئة الذكر والأسلحة التي كانت تزوّد بشار الأسد بالأكسجين، قبل أن ينكفئ الحزب بدوره داخلياً ثم يتعرّض لضربات موجعة تناولت قيادته المؤثرة جداً في الطوق، والتي انطلقت من البياجر التي لم يسلم منها سفير طهران في بيروت في رمزية على فصوص السبحة الإيرانية.
ومن هنا يأتي تحرك إيران عبر الحوثي مدفوعاً بعدة أمور؛ أولها أسعار الوقود التي طلب ترمب من شعبه خلال حديثه في أكاديمية الشرطة أن يتحمّل بعض الزيادات الطفيفة في الأسعار، ذلك كان إيذاناً منه للاستمرار في حصار الموانئ الإيرانية رداً على إغلاق هرمز حتى يستسلم الإيرانيون بعيداً عن رومانسية الهدنة والتي لم تكن بالنسبة للحرس الثوري إلا فرصة لإعادة تشكيل الجبهة الداخلية، ورفع منسوب إنتاج الصواريخ والمسيّرات.
وإذا نظرنا إلى مؤشرات أسعار الوقود نجد أنها كانت عند معدل 63 دولاراً قبل الحرب، ثم كسرت حاجز المئة دولار في مارس وصولاً إلى ذروتها في الثاني من أبريل عند 109 دولارات، تلا ذلك أمران؛ أولاهما تحركات من السعودية وإعفاء من ترمب للنفط الروسي مما زاد المعروض وقلل من تأثير إغلاق هرمز على الاقتصاد العالمي وبالتالي أسعار الوقود، وطبع العالم مع أسعار دون السبعين منتصف يوليو.
عندها شعر الإيراني بأن التزام السعودية منذ تأسيس أوبك بالمحافظة على إمدادات الطاقة، ورفع التصدير عبر خط شرق غرب أفرغ ورقة هرمز من فحواها، فانطلقت التهديدات الحوثية نحو المملكة مباشرة، وضربت ناقلتي نفط نهاية يوليو مما أعاد الأسعار فوق المئة، بالإضافة إلى إطلاق صواريخ ومحاولة استهداف منشآت نفطية داخل المملكة، وصولاً لمحاولة تدمير ميناء المخا مما يسهل ولو معنوياً فرص الإيهام بالسيطرة المطلقة على باب المندب، وإن كان في واقع الأمر أكثر المتضررين هم الصيادون اليمنيون.
اختيار الحوثيين للسعودية كخصم وحيد مبني على ظروف الآخرين أولاً، فأمريكا لم تضربها منذ الهدنة وتركيزها سيكون منصباً على إيران، وكثرة الجبهات غير شعبي أمريكياً، وإسرائيل لن تتدخل ما لم تُستهدف ولم يستهدفها الحوثي منذ مايو، وميناء إيلات خسر أكثر من 80% من مدخولاته، لكن ميناءي حيفا وأشدود يمثلان الركيزة الأهم للتجارة الإسرائيلية، وحتى مصر لن تتدخل عطفاً على منهج آخره عدم الرد على مسيّرة دمياط.
فالهجوم إذن على المسار السعودي البديل لتصدير النفط وتحقيق توازن للسوق، وتقديراً من الحوثي بأن المملكة ستمتص الضربة ولن ترد عليها، والخطوات الثلاث التي قامت بها الرياض مؤخراً وربما لم يقرأها الحوثي بشكل جيد حتى الآن، كانت التحالف البحري الذي ضم 14 دولة ليس من ضمنها دول غربية، ثم التحالف السعودي التركي الباكستاني.
والأهم هو توجيه ضربة لمقرات الحشد الشعبي والتي سقط فيها ضباط من الحرس الثوري تماماً كبياجر بيروت، يحمل رسالة مفادها بأن تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية من قبل السعودية لا يعني غياب الأوراق الأخرى.
اليوم ما سيمثل رادعاً للحوثي ليس التصدي والدفاع إطلاقاً، بل القيام بعملية برية تنقل الحوثي إلى مواقع المدافع، وكما يشعر اليوم بنشوة ويلتمس فرصة داخلية لكسر الجمود من 2021، فما سيغيّر قواعد اللعبة هو أن يكون كسر الجمود ضده وتحرير الحديدة التي كان الغرب يعتقد واهماً بأنها مجرد خيار إنساني للحوثي.