لم يعد «العمل من المنزل» مجرد رفاهية أو ترتيب مؤقت صنعته الظروف الاستثنائية، بل تحوّل إلى محرك اقتصادي جبار يعيد تشكيل خريطة الثروة والترقيات المهنية، إذ كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة «بكين» ومعهد «MIT» الأمريكي أن الوظائف الافتراضية باتت طوق النجاة الأقوى لأصحاب الأجور المنخفضة للقفز نحو مستويات مالية ومهنية غير مسبوقة.

الدراسة الضخمة التي حللت نحو 48 مليون انتقال وظيفي في الولايات المتحدة، فجّرت مفاجأة رقمية مدوية، إذ أظهرت أن العاملين في الشريحة الأدنى دخلاً حققوا زيادة استثنائية في أجورهم بلغت 14.6% عندما انتقلوا إلى وظائف تتيح العمل عن بُعد، متفوقين بفارق شاسع على أقرانهم في الوظائف الحضورية التقليدية.

السر في هذا التحول لا يكمن في مجرد المكوث بالمنزل، بل في القوة السحرية للعمل عن بُعد في «ديمقراطية الفرص»، فهو يسمح للكفاءات المظلومة جغرافياً والمقيمة خارج العواصم والمدن الكبرى باقتناص رواتب ومناصب كانت حكراً على قاطني المربعات التكنولوجية والتجارية الباهظة.

وأوضحت الأرقام أن الانتقال لوظيفة افتراضية ارتبط بنمو إضافي في الأجور بنسبة 4.13%، وارتفاع فرص الحصول على ترقية ومستوى وظيفي أعلى بنسبة 2.05%، مما يثبت أن العمل العابر للحدود يفتح الأبواب المغلقة أمام من تحاصرهم أسواق العمل المحلية الضيقة.

هذا التوجه العالمي لم يتوقف عند حدود الولايات المتحدة وفرنسا التي أظهرت نتائج مشابهة، بل انتقل إلى دول عربية عدة حوّلت العمل عن بُعد إلى إستراتيجية استقطاب عالمية عبر «إقامة العمل الافتراضي» دون كفيل.

وتشير بيانات «ميرسر» الصادرة حديثاً إلى أن 59% من الشركات باتت تسمح لموظفيها بالعمل رسمياً من دول أخرى، بينما عدّلت 46% من المؤسسات سياساتها الداخلية لاستيعاب هذا النمط، لتتحول إلى مركز يدير القوى العاملة العابرة للحدود، مع الاستمرار في وضع أطر الأمن السيبراني لحماية بيئة العمل الرقمية.