طالب واحد، درس اثني عشر عامًا في مدارسنا، وتعلّم من مناهجنا، واختبر وفق أنظمتنا، ثم نصل معه إلى نهاية الرحلة فلا نستطيع أن نتفق على مستواه!
يحصل على 96% في الثانوية العامة، فنقول له: أنت متفوق. ويدخل اختبار القدرات لأكثر من مرة ويحصل على 74% كأفضل درجة، فتتغير الصورة. ثم يدخل الاختبار التحصيلي، فيخرج برقم ثالث. وحين يتقدم إلى الجامعة، نضع الأرقام الثلاثة في معادلة جديدة، ونخرج له برقم رابع اسمه «النسبة الموزونة»!
نحن أمام أدوات قياسية تقيس طالبًا واحدًا وتقدمان عنه صوراً مختلفة إلى حد كبير. وإذا كان هذا التفاوت يتكرر مع أعداد من الطلاب، فعلينا حينها ألا نحمّل الطالب وحده مسؤولية تفسيره، وإنما أن نراجع أدواتنا ومعاييرنا.
والسؤال الذي يستحق أن نطرحه بشجاعة: من نصدّق؟
هل المدرسة بالغت في تقدير الطالب طوال سنوات؟ أم أن اختبارًا معياريًا في ساعات محدودة لم يستطع أن يعكس مستواه الحقيقي؟
وإذا كانت لكل أداة فلسفتها وما تقيسه، فلماذا تبدو الفوارق أحيانًا كبيرة إلى درجة تجعل الطالب نفسه لا يعرف أين يقف؟
أنا مع اختبارات القياس، ومع وجود أدوات وطنية معيارية تحقق العدالة بين الطلاب، ولا أرى أن الحل في إلغاء اختبار القدرات أو التحصيلي. لكنني في الوقت نفسه أعتقد أن علينا ألا نتعامل مع الفجوة بين نتائج المدرسة وهذه الاختبارات وكأنها أمر طبيعي لا يستحق التوقف.
لأن المشكلة ليست في وجود ثلاثة اختبارات، بقدر ما هي في وجود ثلاث رسائل مختلفة تصل إلى الطالب عن مستواه.!
نحن هنا لا نتحدث عن أرقام فقط، وإنما عن ثقة طالب بنفسه، وعن خياراته الجامعية، وعن تخصص قد يحلم به سنوات ثم يكتشف عند بوابة الجامعة أن الـ96 التي كان يحتفل بها لم تعد 96، وأن تعريف التفوق الذي عاش معه في المدرسة مختلف عن تعريفه عند القبول الجامعي.!
وهنا يأتي السؤال الأصعب:
إذا كانت الدرجة المدرسية لا تستطيع وحدها أن تخبرنا عن مستوى الطالب، فلماذا لا نراجع طريقة بنائها؟
وإذا كانت اختبارات القدرات والتحصيلي تكشف فجوات لا تظهر في نتائج المدارس، فلماذا لا تعود نتائجها إلى المدرسة باعتبارها أداة تطوير، لا مجرد بوابة للجامعة؟
درجة الثانوية هي حصيلة سنوات من الدراسة والاختبارات والواجبات والمشاركة والتفاعل، بينما تقيس الاختبارات المعيارية جوانب أخرى في وقت محدد وبأدوات مختلفة. ومن الطبيعي لذلك ألا تتطابق النتائج تمامًا، لكن ليس من الطبيعي أن نتعايش مع فجوات كبيرة دون أن نسأل عن أسبابها.!
أتصور أننا بحاجة إلى مشروع وطني لتقليص هذه الفجوة، يبدأ من تحليل نتائج كل مدرسة ومقارنتها بنتائج طلابها في القدرات والتحصيلي.
فالمدرسة التي يتخرج منها الطلاب بمعدلات مرتفعة باستمرار بينما تأتي نتائجهم المعيارية أقل بكثير، تحتاج إلى أن تسأل نفسها: ماذا نقيس؟ وكيف نقيس؟ وهل درجاتنا تعكس فعلًا مستوى أبنائنا؟
وفي المقابل، يجب أن نستمر في تطوير الاختبارات المعيارية نفسها، ودراسة قدرتها على قياس ما نريد قياسه فعلًا، ومدى اتساقها مع ما يتعلمه الطالب ومع المهارات التي يحتاجها في الجامعة والحياة.
ليس المطلوب أن يحصل الطالب على 95 في كل اختبار. الاختلاف طبيعي، لأن أدوات القياس مختلفة. المطلوب ألا تكون المسافة بين هذه الأدوات واسعة إلى الحد الذي تجعلنا أمام ثلاث صور متناقضة لطالب واحد.!
لإن بعد اثني عشر عامًا من التعليم، يستحق أبناؤنا «كلمة سواء» بين المدرسة والقياس والجامعة؛ معيارًا أكثر اتساقًا، ودرجة أكثر صدقًا، وصورة يعرف الطالب من خلالها أين يقف فعلًا.
فلا المدرسة ينبغي أن تمنحه ثقة زائفة، ولا الاختبار ينبغي أن يسلبه ثقة يستحقها.
فالدرجة ليست مكافأة نمنحها للطالب كي يسعد، وليست عقوبة نخفضها كي نثبت صرامتنا؛ إنها رسالة نقول له من خلالها: هذا مستواك، وهذه قدراتك، وهذا ما تحتاج إلى تطويره.
طالب واحد، ومنظومة تعليمية واحدة، ووزارة واحدة؛ فلماذا لا نقترب من معيار واحد يقول له بصدق:
هذا أنت.. وهذا ما تملك.. ومن هنا تبدأ.؟!