لجدة ذاكرة لا تشبه المدن؛ ذاكرة تفوح منها رائحة البحر، وتختبئ في ظلال الرواشين، وتنساب في الأزقة القديمة كحكاية لا تريد أن تنتهي في وجدان المتلقي، مدينة كانت تستقبل القادمين من البحر، وتودّع الراحلين إليه، وتفتح أبوابها للتجارة والحجاج والثقافات، حتى أصبح البحر جزءًا من شخصيتها، لا مجرد امتداد جغرافي أمامها.

وحين أتأمل جدة التاريخية اليوم، أتخيل تلك العلاقة القديمة وهي تستعيد شيئًا من نبضها؛ كأن البحر الذي ظل طويلًا على مسافة من «البلد» يقترب منها من جديد، وكأن المدينة تستعيد نافذة كانت تطل منها على العالم.

من هنا تبدو فكرة مشروع وزارة الثقافة بإنشاء بوابة بحرية ومارينا متكامل في جدة التاريخية أكبر من مشروع عمراني أو وجهة سياحية جديدة؛ إنها محاولة لإعادة وصل جدة بذاكرتها البحرية، واستعادة جزء من صورتها الأولى وهي تنظر إلى البحر بوصفه طريقًا للحياة والعالم.

تخيّل معي ستكون واجهة البلد في جدة التاريخية مرسى ونادي يخوت ومطاعم ومقاهي فارهة بمعنى ستصبح جدة التاريخية ذاكرة جديدة معجونة بالذاكرة الأولى؛ فجدة التاريخية ليست بيوتًا قديمة وأزقة تحفظ ذاكرة المكان فحسب؛ إنها مدينة كانت نابضة بالحركة، مفتوحة على البحر، وعلى التجارة والثقافات وحكايات العابرين. ولذلك فإن إعادة البحر إلى قلب تجربتها يمكن أن تمنح «البلد» حياة جديدة، من دون أن تفقد ملامحها القديمة.

تخيّل معي أيضًا أن يبدأ الزائر رحلته بين الرواشين والأبواب والأسواق، ثم ينتهي به الطريق عند البحر؛ فيرى المراكب أمامه، وتبقى العمارة التاريخية خلفه، فيلتقي في مشهد واحد ماضي جدة بمستقبلها ! هنا لا يصبح المرسى مجرد مكان للقوارب، بل مساحة للحياة؛ مطاعم ومقاهٍ، أنشطة بحرية، مساحات عامة، فعاليات ثقافية، وتجارب تحكي قصة جدة مع البحر الأحمر.

وهذا هو الفارق بين تطوير المكان وإحيائه؛ فالتطوير يضيف إليه، أما الإحياء فيعيد إليه ما فقده.

والأجمل أن يتحوّل البحر إلى مدخل جديد لجدة التاريخية، لا مجرد خلفية لها؛ بوابة تقول للقادم: هنا مدينة عرفت منذ زمن بعيد كيف تستقبل العالم، واليوم تفتح له بابًا جديدًا. إن قيمة المشروع الحقيقية لن تقاس بعدد القوارب التي ستتوقف في المارينا، بل بعدد الفرص والقصص والأحداث والتجارب التي ستولد حولها.. فحين يلتقي التراث بالبحر، والسياحة بالاقتصاد، والذاكرة بالمستقبل، تصبح جدة التاريخية أكثر من موقع تراثي؛ تصبح مدينة تُعاش.

ختامًا.. جدة لا تحتاج إلى أن تكتشف البحر؛ فهي تعرفه منذ قرون ولكن حين تفتح «البلد» نافذتها على البحر من جديد، سنكتشف أن جدة لم تكن يومًا مجرد مدينة على الساحل؛ كانت وما زالت «جدة غير مثل الغرق.. بين السهر والنوم» مدينة كلما ظننا أننا عرفناها، فاجأتنا بوجه أجمل من ذاكرتها.