ليست أكثر الجرائم إثارة للخوف تلك التي يأتي فيها الخطر من شخص لا نعرفه؛ فالإنسان يعرف بالفطرة كيف يحذر الغريب. الأصعب أن يأتي الخطر من المساحة التي اعتدنا أن نشعر فيها بالأمان، ومن شخص لم نضعه يومًا في خانة من ينبغي الحذر منهم.
ولهذا لم تكن الجريمة التي شغلت المجتمع المصري خلال الأيام الماضية مجرد واقعة قتل مروّعة. فبحسب ما أعلنته السلطات وما نُشر عن التحقيقات، كان المتهم صديقًا مقرّبًا من رب الأسرة، يدخل بيته في مأمن ويعرف أهله وتفاصيل حياته، حتى انتهت تلك الثقة إلى مشهد يصعب استيعابه: رجل يُقتل غيلة على يد من كان يعدّه من أقرب أصدقائه، ثم تمتد الجريمة إلى أفراد من أسرته. لم يكن الجاني - وفق الرواية التي تكشفها التحقيقات - غريبًا يبحث عن طريق إلى البيت؛ كان الطريق مفتوحًا أمامه بحكم الصداقة والثقة. وهنا يبرز السؤال الأصعب: ماذا يحدث حين يأتي الخطر ممن أسقطنا أمامه كل أسباب الحذر؟
وتصبح الحادثة أكبر من جريمة عندما نقرأ الخطر من بدايته، لا من نهايته؛ فهو لم يبدأ عند لحظة استخدام السلاح، بل قبلها، عندما أصبحت المسافة بين «الصديق» و«البيت» قصيرة إلى الحد الذي عرف معه الآخر أحوال الأسرة وحركتها، وربما أسرارها المالية، وما يكفي من تفاصيل حياتها ليصبح القرب نفسه عنصرًا في الجريمة.
نعلّم أبناءنا ألا يفتحوا الباب للغريب، لكننا نادرًا ما نتحدث عمّا يحدث عندما لا يكون الخطر غريبًا. فالإنسان يخفّض دفاعاته أمام من يعرفه؛ يحدّثه عن بيته وأمواله ومشكلاته وتحركاته، وربما يمنحه مع السنوات مفاتيح غير مرئية إلى حياته. ولا خطأ في الصداقة، لكن الخطأ يبدأ عندما نخلط بين الثقة وإسقاط الحدود. فالحدود لا تعني الشك، والحذر لا يعني سوء الظن؛ إنها هامش ينبغي أن يبقى حتى مع أقرب الناس.
ولعل هذا ما جعلني أتردد قبل كتابة المقال. فآخر ما نحتاج إليه أن تتحوّل جريمة فردية إلى سبب يهدم الثقة بين الناس. وتذكرت رواية متداولة عن الزبير وشرحبيل بن مُرّة؛ إذ قيل إن شرحبيل أجار الزبير، ثم خانه الزبير وسرق حصانه، فلما أخبر أباه بما فعل جاءت العبارة التي بقي معناها أبلغ من الحكاية: «لا تخبر هذه القصة لأحد من العرب، لكي لا تموت النخوة في نفوسهم». فبعض القصص قد تزرع الشك بدل الحذر. لكن الصمت ليس الحل؛ فالغاية ليست أن نشك في أصدقائنا، بل أن نتعلّم أن الثقة لا ينبغي أن تلغي الحدود.
وقد تعيد الحادثة إلى الأذهان المقولة: «احذر عدوك مرة، وصديقك ألف مرة». ولا أظن أن الحياة تستقيم بهذا القدر من الارتياب؛ فالثقة من أجمل ما تقوم عليه العلاقات الإنسانية. لكن المعنى الذي يستحق أن يبقى أن القريب يعرف ما لا يعرفه البعيد، ولذلك فإن الضرر - حين يقع - قد لا يأتي من مقدار العداوة، بل من مقدار المعرفة التي منحناها بثقة. والحذر هنا ليس اتهامًا للصديق، بل حماية لحدود لا ينبغي أن تسقط.
وهذه الحدود لا تسقط في يوم واحد. تبدأ بحديث عن المال وما نملك ومواعيد السفر، وقد تمتد إلى مفاتيح ومستندات وحسابات ومعلومات عن الأبناء، حتى يصبح شخصًا من خارج الأسرة حاملًا لخريطة شبه كاملة عن حياتها. قد يكون أمينًا طوال عمره، وهذا هو الأصل؛ لكن إدارة المخاطر لا تُبنى على النوايا وحدها، بل على حجم الضرر إذا تغيّرت النوايا يومًا.
وهذه قاعدة نعرفها في القانون والأعمال وننساها في حياتنا: لا تمنح شخصًا من الصلاحيات أو المعلومات أكثر مما يحتاج إليه لمجرد أنك تثق به. الشركات والبنوك لا تبني أنظمتها على حسن النوايا وحده، والعقود لا تصبح إهانة لأن أطرافها أصدقاء. والتوثيق وفصل الصلاحيات وحماية المعلومات ليست انعدامًا للثقة؛ بل حماية لها. والقاعدة تصلح للبيت أيضًا: ليس هناك سبب يجعل أحدًا يعرف كل ما نملك، وأين نحتفظ به، ومتى يغيب أهل المنزل، وما كلمات مرورنا وكيف تتحرك الأسرة.
والمال يحتاج إلى قدر إضافي من العقل. فكثير من النزاعات لم تبدأ بين أعداء، بل بين شركاء وأقارب وأصدقاء رأوا التوثيق إساءة للعلاقة. كتابة الدَّيْن، وتوثيق الشراكة، وتحديد الصلاحيات وإثبات التحويلات لا تعني انتهاء الثقة؛ بل قد تحميها من الاختبار.
وفي العصر الرقمي اتسعت المسألة؛ فالإنسان يكشف أحيانًا موقعه وسفره وأسماء أبنائه وصور منزله ومقتنياته وأماكن وجوده. كل معلومة منفردة قد تبدو بلا قيمة، لكن جمعها يرسم خريطة مختلفة. لذلك أصبحت الخصوصية جزءًا من الأمن الشخصي والأسري.
ولا ينبغي لمأساة كهذه أن تدفعنا إلى الشك في الصديق والقريب، أو أن تهدم قيمة إنسانية عظيمة اسمها الثقة. لكن هناك فرقًا بين أن تثق بالإنسان وبين أن تسلمه مفاتيح حياتك، وبين حسن الظن والتنازل عن الحذر.
وربما هذا هو الدرس الذي يستحق أن يبقى بعد أن تهدأ أخبار الجريمة: ثق، وصادق، وأحب، وأحسن الظن؛ لكن أبقِ لحياتك حدودًا. فالثقة الحقيقية لا تحتاج أن يعرف الآخر كل شيء عنك، والصداقة الصادقة لا تهتز لأن بابًا بقي مغلقًا، أو سرًا بقي داخل الأسرة، أو مالًا جرى توثيقه.
لأن السؤال في النهاية ليس فقط: بمن نثق؟
بل أيضًا: كم ينبغي لمن نثق به أن يعرف؟
وهناك، بين السؤالين، قد تكمن مسافة الأمان بأكملها.