في المنتدى السياسي للتنمية المستدامة (2026) بنيويورك؛ قدمت بلادنا من خلال 140 جهة استعراضها الوطني التطوعي الثالث المحقق لمستهدفات رؤيتنا المباركة، في دلالة واضحة على أن التنمية السعودية أصبحت مشروعاً وطنياً تشاركياً، تتكامل فيه أدوار القطاعات الحكومة والخاصة وغير الربحية.

فالرسالة الأبرز التي يقدمها الاستعراض، هي أن القطاع غير الربحي لم يعد شريكاً في تنفيذ المبادرات فحسب، بل أصبح شريكاً في تحديد الأولويات وصياغة الحلول وتحقيق المهمات الوطنية.

ومن بين المؤشرات اللافتة لهذا الحضور المتنامي للقطاع غير الربحي بوصفه شريكاً تنموياً فاعلاً؛ إيرادات بلوغ منظماته 73.1 مليار ريال (2024) بنمو 22% عن العام السابق، وهذه الأرقام تعكس اتساع حجم هذا القطاع، وتكشف عن تحول نوعي في دوره؛ فمن التركيز على تقديم الخدمات إلى الإسهام في تحقيق الأولويات الوطنية وصناعة قيمة تنموية مستدامة.

غير أن أهمية القطاع لا تُقاس بحجم موارده أو عدد مبادراته، بل بقدرته على تحقيق المستهدفات الوطنية، فحضوره اليوم في مجالات حيوية متعددة عبر منظومة متنوعة من الجمعيات والمؤسسات الأهلية والأوقاف والجهات المانحة، بما يعزز تكامل الجهود التنموية. من هنا؛ فإن استحقاق المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من قياس النشاط إلى قياس الأثر، بحيث يصبح السؤال الرئيس: ما الأولوية الوطنية التي أسهمت المنظمة في تحقيقها؟ وما القيمة المستدامة التي أضافتها؟، فالتنمية لا تُقاس بعدد البرامج المنفذة فقط، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير طويل الأمد في حياة الإنسان والمجتمع.

وفي هذا السياق؛ تبرز تجربة جمعية «تنامي»، بوصفها نموذجاً وطنياً لتطوير القطاع غير الربحي وبناء قدراته، إذ يتجاوز أثرها إلى تمكين منظمات 38 جمعية في المناطق الأشد احتياجاً، وربط 207 خبراء بـ432 جمعية، وتدريب أكثر من 15 ألف مستفيد، وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه لا يحل محل الجمعيات المحلية، بل يبني قدراتها المؤسسية، ويمكّنها من فهم احتياجات مجتمعاتها وتصميم الحلول المناسبة وقياس أثرها واستدامته.

‏أخيراً

إن استحقاق المرحلة المقبلة، يتمثل في بناء إطار وطني يربط إسهامات منظمات القطاع بالأولويات التنموية، ويقيس أثرها، ويوجه مواردها وقدراتها نحو المجالات الأكثر احتياجاً؛ بما يعظّم إسهام القطاع في صناعة تنمية أكثر تكاملاً واستدامة.