لم يعد القرن الأفريقي مجرد إقليم جغرافي يقع على الضفة الغربية للبحر الأحمر، بل أصبح أحد أكثر الأقاليم تأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي؛ نظراً إلى موقعه المشرف على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية. ومن هنا، فإنّ أي اضطراب سياسي أو أمني في هذه المنطقة لا يقتصر أثره على دولها، بل يمتد إلى أمن الطاقة العالمي، وحركة التجارة الدولية، واستقرار الشرق الأوسط.
تُعدّ منطقة القرن الأفريقي من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، لما تمثله من أهمية اقتصادية وسياسية وعسكرية. وقد شهدت خلال القرن العشرين أزمات متلاحقة، وحروباً أهلية، وتحوّلات جذرية ألقت بظلالها على الأمن والاستقرار في الإقليم، وأفرزت تحديات كبيرة أمام التنمية والاستثمار، كما أعادت رسم مسارات العلاقات الإقليمية والدولية.
وتزداد أهمية المنطقة لكونها تشرف مباشرة على الضفة الغربية لمضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس. ولذلك، فإنّ أي اختناق جيوسياسي في هذا المضيق ينعكس مباشرة على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج العربي، وعلى حركة التجارة العالمية، بما يؤكد مكانة القرن الأفريقي بوصفه إحدى أهم العقد الجيوسياسية في العالم.
وتواجه دول الإقليم تحديات معقدة، أبرزها الصراعات المسلحة، وضعف مؤسسات الدولة، والتنافس الإقليمي والدولي على الموانئ والمنافذ البحرية. وقد أدى ذلك إلى فتح المجال أمام قوى خارجية لتعزيز حضورها السياسي والأمني والعسكري في المنطقة.
وتبرز إسرائيل بوصفها أحد الفاعلين الساعين إلى توسيع نفوذها الأمني والاستخباراتي عبر بناء علاقات مع بعض دول الإقليم، واستثمار الانقسامات الداخلية. كما تسعى إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري، ولا سيما عبر ميناء بربرة، في حين تعمل تركيا، إلى جانب قوى إقليمية ودولية أخرى، على توسيع حضورها من خلال الاستثمارات، والاتفاقيات الأمنية. كما أثار السعي إلى الاعتراف بما يسمى «أرض الصومال» اعتراضاً حاداً من جمهورية الصومال الفيدرالية، التي عدّت ذلك انتهاكاً لوحدة أراضيها، ومحاولة لتكريس واقع سياسي جديد يخدم مصالح قوى خارجية.
وفي هذا السياق، تبرز التهديدات الصادرة عن جماعة الحوثي بوصفها عاملاً إضافياً يضاعف المخاطر. فعلى الرغم من أنّ نشاط الجماعة ينطلق من الضفة الآسيوية للبحر الأحمر، فإنّ تأثيره يمتد مباشرة إلى الضفة الأفريقية؛ لأنّ باب المندب يمثل وحدة جغرافية وأمنية واحدة. وكلما تصاعدت الهجمات على السفن أو تعطلت حرية الملاحة، انعكس ذلك على موانئ القرن الأفريقي، وعلى حركة التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات الدولية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التأمين البحري وأجور الشحن، واضطرار بعض السفن إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، بما يرفع كلفة النقل ويثقل الاقتصاد العالمي.
ومن ثمّ، فإنّ أي تدهور في البيئة الأمنية للقرن الأفريقي ستكون له انعكاسات مباشرة على دول الخليج العربي، وعلى مصر، بما تمثله من ثقل سياسي ودور محوري في حماية أمن البحر الأحمر. ولذلك، فإنّ زعزعة استقرار هذه المنطقة تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، ولا سيما في ظل تصاعد الاعتداءات التي تستهدف الملاحة والمنشآت الحيوية.
وتحكُم حرية الملاحة في المضايق الدولية، سواء في باب المندب أو مضيق هرمز، قواعد القانون الدولي والاتفاقيات البحرية، التي تكفل حق المرور الآمن للسفن، بعيداً عن النزاعات السياسية والعسكرية. وفي ضوء ذلك، لا يجوز تحويل هذه الممرات إلى أدوات للضغط السياسي، أو فرض رسوم، أو ممارسة الابتزاز، أو احتكار حق التحكم بحركة الملاحة؛ لأنّ هذه المضائق تمثل شرياناً حيوياً للمجتمع الدولي بأسره.
لقد تجاوزت قضية القرن الأفريقي حدودها الجغرافية، لتصبح جزءاً أساسياً من معادلة الأمن القومي العربي ومن عناصر الاستقرار في الشرق الأوسط. فالتنافس على الموانئ، وعسكرة الممرات البحرية، وتصاعد دور القوى غير العربية، واتساع التدخلات الخارجية، كلها مؤشرات تؤكد أنّ المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى.
ومن هنا، فإنّ حماية البحر الأحمر وباب المندب ليست خياراً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن القومي العربي؛ لأنّ أمن هذه الممرات يرتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية.
ولعلّ تفعيل تجمع دول البحر الأحمر وخليج عدن، الذي أُعلن عنه في ديسمبر عام 2018، يمثل إحدى الأدوات المهمة لتعزيز التنسيق الأمني والسياسي بين الدول الأعضاء، والحد من تمدد القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى فرض نفوذها في المنطقة. كما يظلّ للجامعة العربية دور محوري في بلورة موقف عربي موحد، والدفاع عن حرية الملاحة، وصون أمن المضايق، وفقاً لأحكام القانون الدولي.
وفي ظل التوترات العاصفة التي تهب على المنطقة، وتقضّ مضجع الإقليم، يتعيّن الإقرار بأنّ القرن الأفريقي لم يعد قضية تخص دوله وحدها، بل أصبح اختباراً لقدرة النظام العربي على حماية مصالحه الاستراتيجية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. وإذا لم تُترجم المخاوف العربية إلى رؤية جماعية وآليات عمل مشتركة، فإنّ المنطقة ستظل ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ، وسيبقى أمن البحر الأحمر وباب المندب عرضة للتجاذبات الدولية والإقليمية، بما يحمله ذلك من تداعيات مؤرقة على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.