وها هي أمامي قطعة تنشرها «نيويورك ريفيو أوف بوكس» عن الكاتب والروائي الشهير روبرت لويس ستيفنسون. ومن لا يعرفه، يعرف بالتأكيد أعماله الأهم، وفي مقدّمتها «جزيرة الكنز» و«الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد»، وغيرها الكثير من الأعمال التي بقيت حيّة في ذاكرة الأدب العالمي.
سبب افتتاني بهذه القطعة البديعة ليس ستيفنسون وحده، وإنما الرحلة التي تكشفها عن الكاتب، وكيف جعل الشغف مفتاحه الأهم والأبقى للاستمرار في هذه الرحلة، مهما كانت قسوتها. فالكاتب، كما تكشف المقالة، لا يعيش بعيدًا عن الكتابة حتى عندما يبدو عاطلًا عنها.
يروي ستيفنسون عن نفسه، في اقتباس تنقله المقالة، أنه كان يحتفظ دائمًا «بكتابين في جيبه: واحد للقراءة، وآخر للكتابة». وكان يمشي وعقله مشغول بتحويل ما يراه إلى كلمات، وإذا جلس على قارعة الطريق قرأ أو أخرج قلمه ليدوّن ملامح المشهد. والأهم من ذلك كله أنه كان يفعل ذلك من أجل التدريب، لا من أجل منفعة عاجلة.
هذه الفكرة وحدها تستحق أن يتوقف عندها كل من يريد أن يكتب: أن تكتب ليس لأن لديك مشروعًا جاهزًا فحسب، وإنما لأن الكتابة نفسها تدريب دائم. ويذهب ستيفنسون أبعد من ذلك حين يتحدث عن تقليده لكتاب كبار مثل هازلت ولامب ووردزورث ومونتين، معتبرًا أن التقليد يمكن أن يكون طريقًا إلى الأصالة، لا نقيضًا لها.
ولعلها، في جوهرها، رسالة عن الانضباط في مهنة تحتاج إلى التركيز، خصوصًا في هذا العصر المزدحم بالمشتّتات. فالموهبة وحدها لا تكفي، والشغف، مهما كان كبيرًا، يحتاج إلى نظام يحميه من التبدّد.
تذكرت، وأنا أقرأ عن ستيفنسون، ما قرأته عن نجيب محفوظ، وكيف كان يهيئ جدوله الكتابي اليومي، محوّلًا الموهبة إلى مهنة منضبطة الإيقاع والتوقيت، وإلى مواعيد للكتابة لا محيص عنها مهما كانت الظروف. وربما هنا يكمن الفارق بين من يحب الكتابة ومن يحترفها: الأول ينتظر اللحظة المناسبة، أما الثاني فيصنع لها مكانًا في يومه.
وكان غازي القصيبي يصر على أن كثرة الواجبات الاجتماعية هي العائق الأول في مواجهة الكاتب والمبدع العربي؛ لأنها تبعده طويلًا عن عمله، وتفقده خيط الوصل مع مشروعه الإبداعي.
والكاتب صحافي، والصحافي كاتب، وبينهما تقاطعات كثيرة. فقد كان جورج أورويل روائيًا عظيمًا وصحافيًا مهمًا، وكذلك غابرييل غارسيا ماركيز، وغيرهما كثيرون. الصحافة تمنح الكاتب حس التفاصيل، والكتابة تمنح الصحافي القدرة على رؤية ما وراء الخبر.
ولعلها، في النهاية، رسالة إلى صحافي شاب: احمل كتابًا تقرأه، ودفترًا تكتب فيه، واحمِ شغفك بالانضباط. لا تنتظر أن تأتي الكتابة إليك؛ اذهب إليها كل يوم. فالمشروع الكبير لا يولد دفعة واحدة، وإنما يتشكّل من عادة صغيرة تتكرر حتى تصبح حياة.
وهنا تصبح حكاية الكتابين في جيب ستيفنسون هي العمود الفقري للمقال، بدل أن تكون مجرد معلومة عابرة؛ وهو ما يعطي النص رسالة أوضح للصحافي الشاب. ستيفنسون لم يكن مجرد مؤلف لـ«جزيرة الكنز» و«جيكل وهايد»، فحسب، بل كان في عصره يُعد من كبار كتّاب المقالة أيضًا، وهذه هي الرسالة أيها الشاب القادم إلى هذا العالم الصاخب.