حين بدأت فكرة «وضع الطيران» لم يكن في ذهني الوصول إلى رقم معيّن، بقدر ما كان السؤال الذي يشغلني هو «هل بالإمكان تقديم شكل صحفي جديد يخاطب ذائقة جمهور اليوم، دون التخلي عن أصول المهنة التي تعلمناها وعشنا معها سنوات طويلة»؟
تغيّرت علاقة الناس بالمعلومة، فالهاتف أصبح صحيفة وتلفزيوناً وإذاعة ومكتبة في شاشة واحدة، والجمهور الذي كان يمنح المقالة أو التقرير عدة دقائق أصبح يمر أمام عشرات المواد خلال ثوانٍ قليلة، الصورة تتقدّم والنصوص تقصر والمنافسة على انتباه المتلقي أشرس، حتى صار النجاح الإعلامي أحياناً يُقاس بعدد المشاهدات أكثر مما يُقاس بقيمة العمل.
وسط هذه التحوّلات جاءت فكرة «وضع الطيران» النشرة اليومية المتخصصة بالطيران والتي يصدر غداً عددها رقم 100، أردتها منذ البداية محاولة للجمع بين مدرستين؛ مدرسة الصحافة التي تؤمن بأن المصداقية أهم من السرعة والأمانة أهم من الإثارة، ومدرسة العصر التي تعرف أن الجمهور ليس مستعداً لقراءة الصفحات الطويلة.
قامت الفكرة على الاختصار والإشباع البصري، وعلى تقديم المعلومة بأقل عدد ممكن من الكلمات مع مساحة للتحليل العميق الرشيق الذي يذهب إلى المعنى مباشرة، الاختصار في رأيي لا يعني تسطيح الفكرة كما أن العمق لا يحتاج إلى ألف كلمة، وهذه المعادلة تصبح أكثر صعوبة عندما يكون الحديث عن الطيران لأن الطيران ليس قطاعاً مناسباً للابتذال الإعلامي، هذه صناعة قامت منذ بداياتها على الانضباط وعلى أنظمة شديدة الصرامة دقيقة التفاصيل، لذلك فإن اختزال الصناعة في أخبار خفيفة ومعلومات مثيرة ومقاطع تبحث عن «الترند» يظلمها أكثر مما يخدمها.
وهنا تظهر مسؤولية الإعلام المتخصص.
الإعلام المتخصص في رأيي ليس إعلاماً للنخبة، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى لغة فنية مغلقة لا يفهمها سوى العاملين في القطاع.
مهمته الأصعب أن يعرف التفاصيل ثم يعيد تقديمها للناس بلغة واضحة دون أن يفقدها معناها، أن يبسط المعلومة دون أن يسطحها وأن يجعل المادة جذابة دون أن يبتذلها، وأن يلاحق الجديد دون أن يتحول إلى أسير للترند.
أيضاً تعمّدت ألا تكون «وضع الطيران» نشرة أخبار، فالأخبار موجودة في كل مكان، ما حاولت تقديمه هو ما بعد الخبر، ماذا يعني ولماذا حدث؟ وما الرقم الذي يستحق التوقف عنده؟ وأين يقع ضمن الصورة الأكبر للصناعة؟
حاولت أن تتنوع المواد بين رقم يستحق الرصد وتصريح يحمل ما وراءه، وتطور عالمي يمكن أن ينعكس على السوق، وزاوية تحليلية تحاول وضع الأحداث في سياقها.
عند نهاية كل شهر يصدر تقرير مفصّل يختلف عن الإيقاع اليومي، يقرأ اتجاهات السوق ويجمع الأرقام المتفرقة، ويحلل معطيات الفترة الماضية، لأن بعض تحوّلات الطيران لا يمكن فهمها من خبر يوم إنما من مراقبة الاتجاه عبر فترة زمنية أطول، التحدي الأصعب كان الالتزام اليومي، فـ «وضع الطيران» حتى عددها المئة هي جهد فردي بحت، من البحث عن الفكرة الرئيسية ومتابعة المصادر والتحقق من الأرقام والمعلومات، واختيار الزاوية وكتابة النصوص واختصارها، وصولاً إلى بناء الشكل النهائي لكل عدد، لهذا كان إصدارها يومياً اختباراً مضاعفاً فالعمل الفردي يمنح صاحبه حرية كبيرة في رسم هوية المشروع والمحافظة عليها، لكنه في المقابل يضع كامل مسؤولية الاستمرار والجودة والتجديد على شخص واحد.
مع ذلك كان الرهان أن أستطيع كل يوم إيجاد زاوية جديدة في صناعة واسعة ومتحركة مثل الطيران حتى وصلت إلى العدد المئة، وفي كل عدد كان التحدي يتجدّد، فكرة مختلفة ومعلومة موثقة واختصار لا يخل بالمعنى، وشكل بصري يجعل القراءة جزءاً من التجربة.
أنشأت للنشرة قناة خاصة على «واتساب»، ووصل عدد متابعيها حتى الآن إلى 266 متابعاً، معظمهم من العاملين والمهتمين بقطاع الطيران، وما يقارب 15% منهم أسماء معروفة تشغل مناصب رفيعة في الصناعة. قد يبدو الرقم صغيراً بمنطق حسابات التواصل الاجتماعي، لكنه بالنسبة إلى إعلام متخصص يحمل دلالة مختلفة، لأن قيمة الجمهور المتخصص تقاس بعلاقته بالمحتوى وتأثيره داخل المجال.
بعد مئة عدد، لا أعتقد أن «وضع الطيران» وصلت إلى شكلها النهائي ولا أريد لها ذلك، فالتجارب الإعلامية التي تتوقف عن التطور تبدأ في تكرار نفسها، الجمهور يتغيّر وأدوات النشر تتغيّر، وصناعة الطيران نفسها تتغيّر بسرعة كبيرة، لذلك قد لا تكون «وضع الطيران» في مئويتها الثانية هي نفسها التي عرفها القارئ في المئة الأولى.
ربما تتغيّر بعض أقسامها أو إيقاع صدورها، وربما تتسع التجربة إلى شكل آخر يواكب ما تعلمته خلال الأعداد الماضية، فالفكرة منذ البداية لم تكن صناعة قالب ثم البقاء داخله إنما البحث عن صيغة إعلامية تستطيع أن تتطور دون أن تفقد هويتها، مع الإيمان بأن تحديث شكل الصحافة لا يعني التخلي عن قيمها.
مئة عدد كانت محاولة لاختبار هذه الفكرة، وكانت تجربة تعلمت منها بقدر ما كتبت فيها.
وغداً تبدأ المئة الثانية، بشكل مختلف وروح مغايرة وسماء جديدة.