في شوارع مدينة «مايوركا» الإسبانية، كان طفل صغير يركض بشغف جارف خلف كرة القدم، يركلها بقوة لاهثاً، قبل أن يحمل مضرب التنس ليمضي ساعات طويلة أخرى فوق الملعب دون كلل. لم يكن ذلك الطفل سوى رافاييل نادال، ولم يكن يخطر ببال أحد أن تلك الخطوات البريئة بين عشقه الأول والأخير كانت تزرع في قدمه قنبلة موقوتة ستنفجر لاحقاً لتنغص عليه مسيرته الأسطورية.

طوال عقدين من الزمان، خاض «الماتادور» حرباً طاحنة ضد ألم خفي يفتك بقدمه اليسرى بسبب متلازمة نادرة تُدعى «مولر فايس». عاش نادال وعائلته وطاقمه الطبي على يقين مطلق بأن الأمر مجرد قدَر جيني محتوم وعيب خلقي وُلد به، وثمن قسري يتوجب عليه دفعه ليصل إلى عرش الكرة الصفراء بـ22 لقباً في بطولات «الغراند سلام». لكن المفاجأة التي زلزلت هذه القناعة لم تأتِ من أروقة المستشفيات، بل من خلف عدسات كاميرا كان صاحبها يوثق حياة النجم الإسباني لمنصة «نتفليكس».

أثناء غوص المخرج زاك هاينزرلينغ في أرشيف طفولة نادال ودراسة تفاصيل حركته، ظهرت الحقيقة الصادمة التي أذهلت الأسطورة وأسرته، فالمرض لم يكن مجرد جينات خاملة كما ظن الجميع، بل كان نتيجة مزيج قاتل بين الخلل الوراثي والضغط البدني المفرط الذي تعرضت له عظامه الغضة بسبب الجمع بين كرة القدم والتنس لساعات متواصلة يومياً خلال سنوات عمره الأولى.

مثلت هذه النتيجة صدمة لعائلة نادال، بعدما أدركوا أن الشغف المبكر بكرة القدم والصدمات المتكررة الناتجة عن ركض الطفل الصغير هي التي أيقظت المرض الخفي. وبحسب المخرج الوثائقي، لو أن نادال لم يندفع في ممارسة الرياضتين معاً بهذا الكم القاسي وهو طفل، لربما عاش حياة طبيعية كلياً دون أن تنهكه تلك المتلازمة.

هكذا كشفت الكاميرا أن اللعبة الجماعية التي أحبها نادال في صغره كانت المتهم غير المتوقع في آلامه، ليتضح للجمهور أن كل بطولة رفعها نادال أمام الشاشات صاغتها إرادة حديدية واجهت وجعاً كُتبت أولى سطوره على ملاعب كرة القدم منذ الطفولة.