لم تعد العلاقة بين مليشيا الحوثي الإرهابية و«حركة الشباب الصومالية» (ذراع تنظيم القاعدة في شرق أفريقيا)، محصورة في تهريب السلاح أو تبادل المصالح عبر طرق التهريب الممتدة بين اليمن والقرن الأفريقي؛ إذ تكشف تقارير دولية وبحثية عن انتقال التعاون بين الطرفين إلى مستويات أكثر تنظيماً وخطورة، تشمل التدريب العسكري، وتقنيات الطائرات المسيّرة، وتصنيع العبوات الناسفة، فضلاً عن شبكات نقل الأسلحة والمقاتلين عبر البحر.
ويضع هذا التطور مضيق باب المندب أمام تهديد أمني مضاعف، في ظل وجود الحوثيين على الضفة اليمنية، ونشاط حركة الشباب في القرن الأفريقي، بما يثير مخاوف من تحول التعاون بين الجماعتين إلى شبكة عابرة للحدود قادرة على تهديد الملاحة الدولية في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
من «تجارة السلاح» إلى شراكة أكثر تنظيماً
العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب ليست وليدة اليوم، إذ رُصدت منذ سنوات شبكات لتهريب الأسلحة والبضائع غير المشروعة بين اليمن وشرق أفريقيا، إلا أن المؤشرات الأخيرة تكشف عن تحول نوعي في طبيعة هذه الروابط.
ووفقاً لتقرير بحثي صدر في فبراير 2026، فإن التعاون تجاوز التنسيق اللوجستي والاستخباري الأساسي إلى مستويات تشمل التعاون السياسي والإعلامي والعسكري.
ونقل التقرير عن مستشار الأمن القومي الصومالي السابق حسين شيخ علي قوله إن العلاقة في مراحلها السابقة كانت محدودة وتركز بصورة أساسية على تجارة السلاح، إلا أنها أصبحت أكثر «منهجية وإستراتيجية»، محذراً من تداعياتها على الأمن الإقليمي.
الأمم المتحدة تكشف «شبكة التدريب»
وتكتسب المخاوف بعداً أكثر خطورة مع ما كشفه فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، إذ أكد في تقريره لعام 2025 تلقيه معلومات عن تدريب الحوثيين عناصر من حركة الشباب على تصنيع العبوات الناسفة المتطورة وتقنيات الطائرات المسيّرة.
ولم تتوقف المعلومات عند حدود التدريب النظري؛ إذ أشار التقرير الأممي إلى معلومات موثقة عن مهندسين عسكريين حوثيين توجها إلى مدينة جيليب في الصومال لتدريب عناصر من حركة الشباب على تصنيع العبوات الناسفة، وتعديل المسيّرات، وصيانة الأسلحة. كما تحدث عن تسهيل انتقال ما يقارب 400 صومالي إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن لتلقي تدريبات عسكرية وعقائدية.
وكشف تقرير أممي آخر أن مجموعات من مقاتلي حركة الشباب انتقلت إلى اليمن للتدريب، مشيراً إلى انتقال أربع دفعات، تضم كل واحدة منها نحو 30 عنصراً، خلال عام واحد. ووفق التقرير، تلقى بعض هؤلاء تدريبات استمرت نحو شهرين وشملت استخدام البنادق والأسلحة المضادة للطائرات والعبوات الناسفة.
المسيّرات.. انتقال من «الاستطلاع» إلى الهجوم
ويثير ملف الطائرات المسيّرة القلق الأكبر؛ فحركة الشباب تمتلك بالفعل خبرة في استخدامها لأغراض المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات، فيما تشير معلومات فريق الخبراء الأممي إلى أنها تعمل -بمساعدة الحوثيين- على تطوير قدراتها لاستخدام المسيّرات في تنفيذ هجمات.
ومن شأن انتقال تقنيات أكثر تطوراً إلى الحركة الصومالية أن يغيّر طبيعة التهديد في القرن الأفريقي، خصوصاً إذا انتقلت من تشغيل المسيّرات التجارية لأغراض الرصد إلى امتلاك طائرات هجومية أو قدرات تصنيع وتعديل محلية.
كما تتزايد المخاوف من حصول الحركة على أسلحة أكثر تطوراً عبر شبكات التهريب، بما فيها مكونات الصواريخ والمتفجرات وتقنيات المسيّرات التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بالترسانة الحوثية.
الصومال.. محطة عبور للسلاح إلى الحوثيين
ولا يسير خط التهريب في اتجاه واحد. إذ كشف فريق الخبراء الأممي أن الصومال يُستخدم بصورة متزايدة محطة عبور للأسلحة المتجهة إلى الحوثيين، وأن شبكات التهريب تستخدم قوارب شراعية صغيرة تنطلق من مواقع ساحلية صومالية عدة نحو اليمن. كما رصد الفريق أشخاصاً يشتبه في تورطهم في تهريب الأسلحة بين البلدين.
وكشفت عمليات اعتراض سابقة في المنطقة عن شحنات تضم مكونات صواريخ ومتفجرات ومعدات للمسيّرات. وفي يونيو 2025، أعلنت القوات اليمنية ضبط أكثر من 750 طناً من الذخائر والمعدات كانت في طريقها إلى الحوثيين، تضمنت صواريخ متطورة ومسيّرات ومعدات عسكرية قال فريق الخبراء إن بعضها يحمل خصائص مشابهة لأسلحة إيرانية الصنع.
«كماشة» على باب المندب
وتأتي هذه المعطيات فيما تتصاعد المخاوف بشأن أمن مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية، فإن مخاوف أمنية تتزايد من توظيف التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب لخلق تهديد متزامن على جانبي الممر البحري، مع نقل تقنيات للمسيّرات إلى الجماعة الصومالية، بما يرفع مستوى المخاطر التي تواجه حركة السفن في المنطقة.
ويكتسب هذا السيناريو خطورته من التجربة السابقة للحوثيين في البحر الأحمر، إذ أثبتت هجماتهم على السفن التجارية قدرتها على دفع شركات ملاحة إلى تغيير مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر، فيما وثقت الأمم المتحدة سلسلة الهجمات الحوثية على السفن التجارية خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 حتى أكتوبر 2025.
من هرمز إلى باب المندب.. تهديد مزدوج
وتتضاعف خطورة السيناريو إذا تزامن اضطراب الملاحة في باب المندب مع توترات في مضيق هرمز؛ فالممران يشكلان شريانين إستراتيجيين لحركة الطاقة والتجارة الدولية، وأي اضطراب متزامن فيهما ستكون له تداعيات تتجاوز المنطقة إلى الأسواق وسلاسل الإمداد العالمية.
وتعني عرقلة الملاحة في باب المندب دفع المزيد من السفن إلى تجنب البحر الأحمر وقناة السويس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو طريق أطول يرفع زمن الرحلات وكلفة الوقود والشحن والتأمين.
تحالف يتجاوز الاختلاف المذهبي
والمفارقة أن التعاون يجمع جماعتين تختلفان أيديولوجياً ومذهبياً؛ فحركة الشباب تنظيم سني متشدد أعلن ولاءه لتنظيم القاعدة، فيما تنحدر جماعة الحوثي من الحركة الزيدية في اليمن.
إلا أن المصالح العملياتية وشبكات التهريب والسلاح تبدو قادرة على تجاوز هذا الاختلاف، لتجمع الطرفين في علاقة تقوم على تبادل المنفعة؛ الحوثيون يمتلكون خبرة متراكمة في الصواريخ والمسيّرات والهجمات البحرية، فيما توفر الجغرافيا الصومالية وشبكات حركة الشباب امتداداً مهماً على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر وخليج عدن.
«القاعدة الصومالية» تبحث عن السلاح.. والحوثي عن النفوذ
وتشير المعطيات إلى أن لكل طرف حساباته الخاصة؛ فحركة الشباب تبحث عن أسلحة وتقنيات ترفع قدرتها على مواجهة القوات الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي وتوسيع نطاق عملياتها، فيما يمنحها التعاون مع الحوثيين منفذاً إلى خبرات عسكرية وتقنيات لم تكن متاحة لها سابقاً.
أما الحوثيون، فإن بناء روابط مع جماعة مسلحة على الضفة الأفريقية يوسع نطاق شبكاتهم خارج اليمن، ويمنحهم أدوات إضافية للضغط في البحر الأحمر وخليج عدن.
وهكذا، لم تعد القضية مجرد «تهريب سلاح» بين اليمن والصومال، بل شبكة متنامية من التدريب والتسليح ونقل الخبرات والمقاتلين. وهي شبكة حذرت تقارير الأمم المتحدة بالفعل من اتساعها، بما يجعل التعاون الحوثي مع «القاعدة الصومالية» واحداً من أخطر التحولات الأمنية الناشئة على ضفتي باب المندب.