استقبل السعوديون باهتمام واعتزاز توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان؛ اتفاقية لا تستمد أهميتها من اجتماع ثلاث قوى مؤثرة في العالم الإسلامي فحسب، ولا من توقيتها في واحدة من أكثر مراحل المنطقة اضطراباً، بل من المبدأ الذي قامت عليه: أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً. وفي السياسة الدولية، لا تمر عبارة كهذه بوصفها تفصيلاً بروتوكولياً؛ فهي تعيد رسم حسابات الردع، وتوسع دائرة المصالح المرتبطة بأمن المملكة، وتطرح سؤالاً أبعد من الاتفاقية ذاتها: كيف تُبنى حماية الأوطان قبل أن يصل الخطر إلى حدودها؟
ولعل أصعب ما يواجه الكاتب حين يكتب عن قائدٍ يحترمه أن تبقى الإشادة في موضعها الصحيح؛ فلا تتحول إلى مبالغة، ولا يدفعه التردد من المبالغة إلى إنكار ما تقوله الوقائع. وفي هذا المقال تحديداً لن أتوارى خلف الحياد اللغوي حين تكون النتيجة أمامنا جميعاً. فبعد فضل الله وحفظه، عاش السعوديون أمناً واستقراراً في لحظات كان الخوف فيها قريباً من المنطقة، وهذه ليست صفة أسبغها على قائد، بل حالة عاشها وطن كامل. ولذلك فإن الإشادة بمحمد بن سلمان هنا ليست خروجاً عن موضوع المقال؛ إنها موضوع المقال حين تكون الأفعال هي الدليل.
وللإجابة عن هذا السؤال، ربما ينبغي ألا نبدأ من اتفاقية مكة، بل من القائد الذي وقّعها. فمن يتابع مسيرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال السنوات الماضية يلحظ أن أمن المملكة في رؤيته لا يُدار بمنطق انتظار الخطر ثم التعامل معه، بل باستباقه وبناء الخيارات قبل أن تصبح الحاجة إليها ملحّة. ولهذا يصعب قراءة الاتفاقية الجديدة بمعزل عن مسار أطول سبقها: تطوير للقدرات العسكرية، وتوطين للصناعات الدفاعية، وتنويع للشراكات، وتوسيع لهامش القرار السعودي، بالتوازي مع دبلوماسية لا تتردد في فتح أبواب الحوار وخفض التصعيد متى كان السلام ممكناً. إنها معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها من أصعب معادلات الحكم: أن تبني من القوة ما يحمي السلام، ومن الحكمة ما يجنبك الاضطرار إلى استخدام تلك القوة.
ولم تبدأ هذه القراءة اليوم. فقبل نحو ثماني سنوات، وفي عام 2018 تحديداً، كان ولي العهد يتحدث بوضوح عن أحد أخطر الاحتمالات التي قد تواجه أمن المنطقة: أن يقود البرنامج النووي الإيراني إلى سباق تسلح يغيّر موازين القوة، موضحاً أن امتلاك إيران سلاحاً نووياً سيضع المملكة أمام خيارات تفرضها مسؤوليتها عن أمنها. يومها كان ذلك حديثًا عن خطر محتمل؛ أما السنوات التي تلت فقد جعلت الملف النووي والصواريخ واتساع المواجهة الإقليمية في صميم حسابات الأمن الدولي. وما يستحق التوقف هنا ليس أن نقول إن الأمير «تنبأ» بما سيحدث، بل ما هو أهم سياسياً من التنبؤ: أنه قرأ اتجاه الخطر مبكرًا، ثم أمضى السنوات التالية في بناء خيارات الدولة قبل أن يصبح ذلك الخطر عنواناً يومياً للأخبار.
وما بين ذلك التحذير المبكر واتفاقية مكة اليوم، لم تقف المملكة في موقع المتفرج على تحولات المنطقة. كانت تبني بهدوء عناصر قوتها: ترفع جاهزيتها الدفاعية، وتدفع نحو توطين صناعاتها العسكرية، وتنوع شراكاتها، وتوسع علاقاتها مع القوى المؤثرة شرقاً وغرباً، وتمنح القرار السعودي مساحة أرحب للحركة. وفي الوقت نفسه، لم تُغلق الرياض باب الحوار حتى مع من اختلفت معهم؛ لأن الغاية لم تكن صناعة خصومات جديدة، بل صناعة أمن سعودي لا يتوقف على حسن النوايا، ولا يُرهن بحليف واحد، ولا ينتظر الأزمة حتى يبحث عن أدوات مواجهتها. ومن هنا تبدو اتفاقية مكة اليوم أقل شبهاً برد فعل على أزمة عابرة، وأكثر قرباً بحلقة جديدة في مسار طويل أراد له ولي العهد أن يمنح المملكة شيئاً أثمن من التحالف ذاته: تعدد الخيارات حين تضيق خيارات الآخرين.
ولعل أصدق ما يختصر قيمة كل ذلك ليس ما جرى خلف أبواب غرف العمليات، بل ما لم يتحول إلى نمط حياة في الداخل السعودي. ففي الوقت الذي عاشت فيه أجزاء من المنطقة على وقع صفارات الإنذار، وتعليق الرحلات، وإغلاق المجالات الجوية، وأخبار الصواريخ والمسيّرات التي دخلت تفاصيل اليوم العادي لدى شعوب قريبة، بقي الإيقاع العام للحياة في المملكة مختلفًا على نحو يستحق التأمل: مواطن يذهب إلى عمله، وأسرة تمضي في يومها، وأسواق ومطارات تعمل، ومشاريع تستمر، والخوف لم يصبح جزءاً من الحياة اليومية. وهذه النعمة، بعد توفيق الله وحفظه، لم تكن محض مصادفة؛ بل كانت خلفها دولة تستعد، ومؤسسات تعمل، وقيادة تقرأ الخطر قبل وصوله. وهنا يأخذ حرص ولي العهد على أمن المواطن معنى يتجاوز الكلمات؛ لأن الوفاء الحقيقي في الحكم لا يُقاس بما يقوله القائد عند الخطر، بل بما يفعله قبله لتقليل أثر ذلك الخطر على الناس. وهذه المملكة، التي كان الأمن والإيمان والرخاء عنواناً لمسيرتها منذ توحيدها، تحمل اليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان المعنى ذاته بأدوات دولة أكثر قوة واستعداداً: أن يبقى السعودي آمناً على أرضه، وأن تبقى الطمأنينة جزءاً من حياته مهما اضطرب ما حوله.
وللقارئ غير المتخصص، فإن المعنى القانوني لاتفاقية مكة يستحق التوقف عنده. فحين تتفق ثلاث دول على أن الاعتداء المسلح على إحداها يُعد اعتداءً عليها جميعاً، فإنها لا تضيف مجرد عبارة سياسية إلى بيان مشترك، بل تنقل أمن كل دولة من نطاقه المنفرد إلى دائرة أوسع من الدفاع الجماعي. وهذا المفهوم له أصل راسخ في القانون الدولي؛ فالمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة تقر بالحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن نفسها عند وقوع اعتداء مسلح. غير أن ذلك لا يعني -وفق التفاصيل المعلنة حتى الآن- أن كل حادث يقود تلقائياً إلى حرب تشارك فيها الدول الثلاث بالطريقة ذاتها؛ فالتفاصيل العملياتية للاتفاق لم تُعلن. والأهم أن القيمة الأولى لمثل هذه الاتفاقيات تسبق لحظة استخدامها: فهي تغيّر حسابات من يفكر في الاعتداء، لأن السؤال لم يعد ماذا ستفعل الدولة المستهدفة وحدها، بل ماذا يمكن أن تفعل معها منظومة كاملة من الشركاء.
وهذا هو الفارق بين القوة والردع. القوة هي ما تملكه الدولة من أدوات، أما الردع فهو ما يجعل خصمها يعتقد أنه سيواجهه إذا قرر اختبار تلك الأدوات. ومن هنا فإن أنجح اتفاقية دفاع ليست بالضرورة تلك التي تُفعّل في حرب، بل ربما تكون التي تحقق غايتها دون أن تُفعّل أصلاً؛ لأنها جعلت كلفة الاعتداء أعلى من مكاسبه. فالغاية الأخيرة من بناء القوة ليست الحرب، بل أن يصبح السلام أكثر أماناً.
وليس اختيار تركيا وباكستان تفصيلاً عابراً في هذه المعادلة. فباكستان تمثل ثقلاً عسكرياً واستراتيجياً معروفاً، وعلاقتها بالمملكة ممتدة ومتجذرة، فيما تمثل تركيا قوة إقليمية وعضواً في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب ما طورته من قدرات وصناعات دفاعية. أما المملكة فتدخل هذه الشراكة بثقلها السياسي والاقتصادي، ومكانتها العربية والإسلامية، وموقعها المحوري في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وحين تجتمع هذه العناصر، فالقيمة لا تكمن في جمع القدرات العسكرية فحسب، بل في تشابك المصالح واتساع دوائر الردع وارتفاع الكلفة السياسية والإستراتيجية لأي تهديد محتمل. وربما الأهم أن هذا التحالف لا يقول إن السعودية اختارت شرقاً بدل غرب، أو حليفاً بدل آخر؛ بل يقول شيئاً أكثر نضجاً عن السياسة التي يقودها ولي العهد: أن تكون للمملكة علاقات مع الجميع، ولكن أن يكون قرارها لها، وأن تتعدد شراكاتها دون أن تتعدد بوصلتها؛ فالبوصلة في النهاية سعودية.
ولمن يقرأ مسيرة الأمير محمد بن سلمان منذ أن تصدّر المشهد القيادي والسياسي في المملكة، يصعب أن يفصل هذه الاتفاقية عن سمة باتت واضحة في طريقته في الحكم: أنه لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل يضع الغد على طاولة القرار اليوم. قبل ثماني سنوات قرأ اتجاه الخطر في المنطقة وتحدث عنه بوضوح، وفي السنوات التي تلت لم ينتظر أن تثبت الأحداث صحة مخاوفه؛ بنى القدرات، ووسّع الشراكات، وفتح أبواب السلام، وعزز الردع، وأبقى القرار السعودي مستقلاً. وهذه ليست سياسة أزمة، بل مدرسة قيادة تتعامل مع أمن الوطن باعتباره التزاماً مستمراً لا بنداً موسمياً. ومن يتتبع مشروع محمد بن سلمان منذ بدايته يجد أن الرجل اختار أصعب معيار يمكن أن يُحاسَب عليه القائد: النتيجة. وضع أمام السعوديين مشروع دولة أقوى، واقتصاد أكثر تنوعاً، ومكانة تليق بالمملكة، وحياة يكون فيها المواطن في قلب الأولويات؛ ثم ترك للسنوات أن تتكلم.
واليوم، ربما لا يحتاج السعودي إلى قراءة اتفاقيات الدفاع أو خرائط التحالفات حتى يعرف قيمة ذلك كله. يكفي أن يشعر بالأمان في وطنه، وبالاعتزاز حين يحمل اسمه خارجه. وهذه، بعد فضل الله وتوفيقه، أمانة دولة حملها المؤسس الملك عبدالعزيز، وتعاقب على صيانتها أبناؤه الملوك، ويحمل لواءها اليوم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، فيما يبني ولي عهده أدواتها للمستقبل بعقل يعرف أن حماية الوطن لا تبدأ عندما يصل الخطر إلى حدوده، بل قبل ذلك بسنوات؛ بالقرار، والقوة، والاقتصاد، والدبلوماسية، والتحالفات. فالأمن الذي ينعم به السعودي لم يولد مع أزمة، ولن ينتهي بانتهائها؛ إنه إرث دولة، ومقياس نجاحه الأصدق أن يبقى المواطن مطمئناً والوطن عزيزاً ماضياً في البناء.
وحين ينظر السعودي حوله فيرى إقليماً تغيرت فيه أشياء كثيرة، ثم ينظر إلى وطنه فيجده ثابتاً في موقعه، ماضياً في مشروعه، يدرك أن بعض الوعود لا تحتاج إلى أن تُكرر على المنابر؛ يكفي أن يعيش الناس نتائجها. أن ينام مطمئناً، وأن يستيقظ على وطن يزداد قوة، وأن يحمل اسم بلاده خارج حدودها فيشعر بعزتها ومكانتها؛ فذلك هو المعنى الذي تتضاءل أمامه كثرة الكلام، وهو أيضاً ما يمنح تجربة محمد بن سلمان في القيادة معناها الأوضح: حين يكون الوطن هو الوعد، والأمن هو الأمانة، والمواطن هو الغاية، لا تعود القيادة بحاجة إلى كثير من القول... تتكلم الأفعال.