تتحوّل منصات التواصل الاجتماعي تدريجياً من مساحة مفتوحة للترفيه والتواصل إلى قضية تتقاطع مع الصحة والأمن الرقمي والسياسات الأسرية. ففي وقت يقضي فيه الأطفال جزءاً كبيراً من يومهم داخل تطبيقات تتعرف على اهتماماتهم، وساعات نشاطهم، وأنماط سلوكهم، بدأت دول عدة تتجه إلى رفع الحد الأدنى لسن استخدام هذه المنصات، أو إلزام الشركات بالتحقق من أعمار المستخدمين، أو فرض قيود على حسابات القُصَّر. ولم يعد النقاش يقتصر على سؤال أسري مثل: «كم ساعة يقضي الطفل على الهاتف؟»، بل أصبح سؤالاً تنظيمياً أوسع: من يحمي الأطفال من خوارزميات صُممت لإطالة مدة الاستخدام وجمع البيانات وتعظيم التفاعل؟
وفي السعودية، دخل هذا الملف مرحلة مهمة بعد مطالبة مجلس الشورى هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية بوضع ضوابط للتحقق من أعمار المستخدمين، وفرض قيود على استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن السادسة عشرة. ولا تعني هذه المطالبة صدور حظر، لكنها تمثل خطوة نحو تنظيم البيئة الرقمية، في ظل اتساع نطاق استخدامها. ويعزز ذلك ما كشف عنه تقرير «إنترنت السعودية 2024» الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، الذي أظهر أن نسبة انتشار الإنترنت في المملكة بلغت 99%، وأن 99.4% من المستخدمين يعتمدون على الهواتف الذكية لتصفح الإنترنت، فيما بلغ متوسط استهلاك بيانات الجوال للفرد 48 غيغابايت شهرياً، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.
العالم يرفع السن.. من النصيحة إلى القانون
على المستوى الدولي، برزت أستراليا بوصفها صاحبة أحد أكثر النماذج التنظيمية صرامة. فوفقاً لمفوضية السلامة الإلكترونية الأسترالية، بدأ في 10 ديسمبر 2025م، تطبيق قانون يُلزم المنصات الخاضعة للقيود العمرية باتخاذ «خطوات معقولة» لمنع من تقل أعمارهم عن 16 عاماً من إنشاء حسابات جديدة أو الاحتفاظ بحساباتهم القائمة وتشمل المنصات: فيسبوك، إنستغرام، سناب شات، ثريدز، تيك توك، تويتش، وإكس، يوتيوب، ريديت، وكيك. كما يفرض النظام غرامات قد تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي على الشركات التي تخفق في الامتثال، في خطوة تعكس انتقال المسؤولية القانونية من الأسر إلى شركات التقنية نفسها، وإلزامها بتوفير بيئة رقمية أكثر أماناً للقُصَّر.
تعطيل حسابات المراهقين
في ماليزيا، أعلنت السلطات منع من هم دون 16 عاماً من إنشاء حسابات جديدة على منصات التواصل الاجتماعي، مع إلزام الشركات بالتحقق من أعمار المستخدمين عبر السجلات الحكومية، وفرض غرامات قد تصل إلى 10 ملايين رنغت على الجهات المخالفة. أما في إندونيسيا، فأعلنت الحكومة تعطيل نحو 4.7 مليون حساب تعود لأطفال دون سن السادسة عشرة، من بينها 4.1 مليون حساب على تيك توك، و600 ألف حساب على يوتيوب، في إطار حملة لتعزيز حماية القُصَّر في البيئة الرقمية.
وفي الإمارات، حُدد سن 15 عاماً حداً أدنى لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي، مع توفير حماية إضافية للمستخدمين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و16 عاماً، تشمل أدوات لإدارة وقت الاستخدام، وإتاحة الرقابة الأبوية، وتقييد بعض أنواع المحتوى، إلى جانب حظر استخدام بيانات الأطفال في الإعلانات الموجهة أو في عمليات التنميط السلوكي.
وتتجه تركيا إلى تبني نهج أكثر تشدداً بمنع من هم دون 15 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي، بينما اختارت البرازيل نموذجاً تنظيمياً أقل صرامة، يقوم على ربط حسابات المستخدمين دون 16 عاماً بحسابات أولياء أمورهم، إلى جانب حظر ما يُعرف بـ«التصميمات التلاعبية» التي تشجع على الاستخدام القهري، مثل التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي للمحتوى.
الأرقام التي أقلقت العالم
لا تستند موجة التشريعات المقيدة لاستخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي إلى اعتبارات تنظيمية فحسب، بل أيضاً إلى مؤشرات متزايدة بشأن آثارها النفسية والسلوكية. فقد كشف تقرير منظمة الصحة العالمية، بعنوان «المراهقون والشاشات والصحة النفسية» والصادر عن المكتب الإقليمي الأوروبي، أن نسبة الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين ارتفعت من 7% في 2018م، إلى 11% في 2022م، استناداً إلى بيانات شملت نحو 280 ألف طالب وطالبة تتراوح أعمارهم بين 11 و13 و15 عاماً في 44 دولة ومنطقة. كما أظهر التقرير أن 12% من المراهقين يقعون ضمن فئة المعرضين لخطر الاستخدام الإشكالي للألعاب الرقمية.
وتتوافق هذه النتائج مع ما خلص إليه تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «حياة الأطفال في العصر الرقمي» لعام 2025م، الذي أشار إلى أن 96% من الأطفال بعمر 15 عاماً في دول المنظمة يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي، فيما يستخدم 95% منهم الإنترنت لأغراض الترفيه، و88% للتواصل وتبادل المحتوى. وتعكس هذه الأرقام أن القضية لم تعد تقتصر على فئة محدودة من المستخدمين، بل باتت تمس جيلاً كاملاً يقضي جزءاً كبيراً من حياته اليومية داخل البيئة الرقمية، وهو ما يفسر اتساع التوجه العالمي نحو تشديد الضوابط على وصول الأطفال والمراهقين إلى منصات التواصل الاجتماعي.
الحظر وحده لا يكفي
يرى الاستشاري النفسي عمر الأسمر، أن المخاطر المرتبطة بمنصات التواصل الاجتماعي لا ترتبط بمدة الاستخدام فقط، بل بطبيعة التفاعل الذي يعيشه المراهق داخلها. وقال لـ«عكاظ»: إن المراهق لا يدخل المنصة كمستخدم محايد، بل وهو في مرحلة بناء هويته، لذلك تصبح المقارنة، وعدد الإعجابات، وتعليقات الآخرين، جزءاً من تقييمه لذاته. والخطر لا يظهر في عدد الساعات وحده، بل في نوعية التفاعل؛ هل يدخل الطفل ثم ينام بصورة طبيعية؟ وهل يستطيع ترك الهاتف بسهولة وهل تتغير حالته المزاجية بسبب تعليق أو صورة أو حتى التجاهل؟.
وأشار الأسمر، إلى تقرير منظمة الصحة العالمية «المراهقون والشاشات والصحة النفسية»، الذي رصد ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين من 7% في 2018م إلى 11% في 2022م، موضحاً أن هذه الزيادة تستحق قراءة جادة، خصوصاً أن النسبة كانت أعلى بين الفتيات، إذ بلغت 13% مقابل 9% لدى الفتيان وأضاف: الحظر وحده لا يعالج القلق أو المشكلات النفسية، لكنه يمنح الأسرة والمدرسة فرصة لتأخير التعرض المكثف لمنصة تضغط على جهاز نفسي لم يكتمل نضجه بعد.
عقد رقمي في المنازل
في رأي الاستشاري الاجتماعي عبدالله البقعاوي لـ«عكاظ»، المشكلة أن الأسرة لم تعد تواجه جهازاً في يد الطفل، بل تواجه جماعة رقمية كاملة تدخل غرفته، وتعيد تشكيل لغته، وذائقته، ونظرته إلى القبول والرفض والشهرة. فالطفل أصبح يتلقى تقييمه الاجتماعي من غرباء، ومؤثرين، وخوارزميات.
واستند البقعاوي، إلى تقرير هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية حول استخدام الأطفال والآباء للإعلام لعام 2026م، الذي أظهر أن 32% من الآباء يجدون صعوبة في التحكم بوقت الشاشة لدى أبنائهم، وترتفع النسبة إلى 41% لدى أولياء أمور الفئة العمرية من 13 إلى 15 عاماً، وإلى 49% لدى أولياء أمور الفئة من 16 إلى 17 عاماً. وأضاف: «هذه الأرقام تؤكد أن الأسرة وحدها لا تستطيع إدارة هذا الملف دون أن تتحمل المنصات جزءاً من مسؤوليتها. المطلوب عقد رقمي داخل المنزل، ومدرسة تفهم طبيعة عمل الخوارزميات، ونظام يلزم المنصات بتوفير الحماية اللازمة.
العقدة التقنية الكبرى
يرى المهندس التقني عبدالله القويعي، أن التحدي الأكبر في أي محاولة لتقييد وصول القُصَّر إلى المنصات لا يكمن في تحديد العمر المطلوب، بل في إثباته بطريقة تحمي خصوصية المستخدم. وقال لـ«عكاظ» إن أصعب جزء في أي حظر ليس إعلان السن، بل إثبات العمر دون كشف بيانات الطفل فإذا طلبت المنصة الهوية الرسمية، فقد تحقق دقة أعلى، لكنها تفتح باباً لمخاطر الخصوصية وإذا اعتمدت على تقدير العمر عبر الوجه، فنحن ندخل في نطاق البيانات الحيوية واحتمالات الخطأ. أما الاكتفاء بسؤال المستخدم عن عمره، فيمكن تجاوزه بتغيير سنة الميلاد خلال ثوانٍ.
وأشار القويعي، إلى تجربة أستراليا في مجال ضمان العمر، كما عرضتها مفوضية السلامة الإلكترونية الأسترالية، موضحاً أن النموذج الأنسب للسعودية يتمثل في تحقق عمري يحفظ الخصوصية؛ أي أن تعرف المنصة أن المستخدم تجاوز السن النظامية، دون أن تحصل على هويته الكاملة أو بياناته الحساسة. ويجب أن يكون التحقق العمري متدرجاً بحسب مستوى خطورة المنصة؛ فالمنصات التي تتيح رسائل الغرباء والبث المباشر والتوصيات المفتوحة، تحتاج إلى ضوابط أكثر صرامة من المنصات التعليمية أو العائلية.
الخوارزميات توجه المسار
الدكتور مشاري العازمي، الحاصل على دكتوراه في الذكاء الاصطناعي قال لـ«عكاظ»: إن النقاش العام يركز غالباً على الطفل، لكنه يغفل الطرف الأكثر تأثيراً: الخوارزمية. فالمنصة لا تعرض المحتوى بصورة عشوائية، بل تتعلم من سلوك المستخدم؛ من مدة التوقف، والنقرات، ووقت المشاهدة، ثم تدفعه نحو محتوى مشابه وربما أكثر حدة، لأنه يحقق هدف إبقائه داخل المنصة لفترة أطول.
واستند العازمي، إلى دراسة بعنوان: «حماية المستخدمين الصغار على منصات الفيديو» نُشرت 2025م، في أحد مستودعات الأبحاث العلمية المفتوحة، حللت 3000 مقطع موصى به لحسابات مصنفة بأعمار 13 و18 عاماً على منصات الفيديو. وخلصت الدراسة إلى أن الحسابات التي تمثل مستخدمين بعمر 13 عاماً تعرضت لمقاطع ضارة بوتيرة أسرع وبنسبة أعلى مقارنة بالحسابات التي تمثل مستخدمين بعمر 18 عاماً، كما أظهرت أن 15% من المقاطع الموصى بها للمستخدمين بعمر 13 عاماً على يوتيوب أثناء التمرير السلبي صُنفت ضمن المحتوى الضار، مقابل 8.17% للحسابات بعمر 18 عاماً.
ويقول العازمي: «هذه النتيجة مقلقة، لأنها تشير إلى أن الطفل قد يصل إلى محتوى ضار دون أن يبحث عنه أو يطلبه، ففي بعض الحالات لا يكون المستخدم هو من يقود إلى المحتوى، بل تكون الخوارزمية هي التي توجه مساره».
الطفل هدف سيبراني سهل
قالت الدكتورة شيهانة الحربي، الحاصلة على دكتوراه في الأمن السيبراني، لـ«عكاظ»: إن منصات التواصل لا تحمل مخاطر نفسية فقط، بل تفتح أمام الطفل مسارات متعددة للتهديدات السيبرانية، مثل الروابط الخبيثة، وانتحال الشخصية، والابتزاز، والاستدراج، وسرقة الصور، والإعلانات المضللة. فالطفل غالباً لا يمتلك المهارات الكافية للتمييز بين الحساب الحقيقي والمزيف، أو بين الرابط الآمن والضار.
واستندت الحربي، إلى تقرير منتدى الأمن السيبراني العالمي بعنوان «لماذا الأطفال غير آمنين في الفضاء السيبراني؟»، الذي أشار إلى أن 72% من الأطفال دون سن 12 عاماً على وسائل التواصل الاجتماعي تعرضوا لتهديدات سيبرانية، وأن 48% منهم يشعرون بعدم الأمان أثناء وجودهم في البيئة الرقمية. وأضافت: أي تنظيم سعودي يجب ألا يقتصر على القيود العمرية، بل ينبغي أن يرتبط بمنظومة حماية متكاملة تشمل قنوات بلاغات سريعة، وتقييد رسائل الغرباء، وتقليل جمع البيانات، وإلزام المنصات بتقديم تقارير شفافية دورية حول حسابات الأطفال والمحتوى الضار.
الحماية بأقل قدر من البيانات
المستشارة القانونية هياء السليمان ترى في حديثها لـ«عكاظ» أن التحدي القانوني في هذا الملف أن حماية الطفل قد تتحول، إذا لم تُصمم بعناية، إلى نظام تحقق شامل لهوية كل مستخدم. لذلك يجب أن تكون القاعدة الأساسية: حماية القاصر بأقل قدر ممكن من البيانات، مع تحميل المنصة أعلى قدر من المسؤولية.
واستندت السليمان إلى النموذج الذي يحظر استخدام بيانات الأطفال في الإعلانات الموجهة أو عمليات التنميط السلوكي، معتبرة أن هذا الاتجاه مهم؛ لأن الطفل لا يمتلك النضج القانوني الكافي لاتخاذ قرار واعٍ بشأن استثمار بياناته. والمطلوب تنظيم يضع المسؤولية الأساسية على الشركات، لا على الطفل أو الأسرة وحدهما. كما يجب أن تكون الغرامات مرتبطة بفشل المنصة في التحقق من العمر أو استمرار تعرض القُصَّر للمحتوى الضار.
صداع وخمول وبدانة
استشاري طب الأسرة الدكتور فرحان العنزي يقول لـ«عكاظ»: إن تأثير المنصات لا يقتصر على المزاج والسلوك، بل يمتد إلى النوم والتركيز والصداع والخمول والوزن. فعندما يستخدم الطفل المنصات خلال ساعات الليل، فهو لا يخسر وقتاً فقط، بل يربك ساعته الحيوية، وينعكس ذلك على يومه الدراسي وصحته العامة.
واستند العنزي، إلى مراجعة علمية منشورة 2025م، حول العلاقة بين وقت الشاشة واضطرابات النوم لدى الأطفال والمراهقين، موضحاً أن «الأدبيات الطبية تربط بين زيادة وقت الشاشة واضطرابات النوم، خصوصاً عند الاستخدام الليلي». وأضاف: في السعودية، تشير بيانات تقرير إنترنت السعودية إلى أن ذروة الاستخدام اليومي تقع بين التاسعة والحادية عشرة مساءً، وهي فترة حساسة للنوم الأسري والاستعداد المدرسي؛ لذلك يجب أن تكون إدارة وقت الشاشة جزءاً من الوقاية الصحية، لا مجرد توجيه تربوي.