فعلها مجدّداً الرئيس دونالد ترمب، وللمرة التي لا تبدو الأخيرة، أوصل المنطقة إلى حافة صدام عسكري، قبل أن يسحبها في اللحظة الأخيرة نحو طاولة التفاوض. غير أن اختزال ما جرى بأنه «تراجع» أمريكي لا يصمد أمام الوقائع. فالرجل يدير أزماته بمنطق صناعة أكبر قدر ممكن من الضغط قبل قطف الثمار السياسية. ولذلك لم يكن تعليق الضربة نهاية التصعيد، ولا إعلاناً عن تبدل في الهدف، بقدر ما كان انتقالاً إلى مرحلة مختلفة من المواجهة.

والسؤال هذه المرة، لماذا اختار ترمب فرملة الخيار العسكري في هذه اللحظة بالذات؟ وما الذي تبدل بين ساعات كانت تتجهز فيها المنطقة للضربة، وساعات تالية أصبحت تتحدث فيها التصريحات عن إمكانية إبرام اتفاق بشأن مضيق هرمز؟

معركة اقتصادية وعسكرية

القرار الأمريكي المستجد لا يبدو مرتبطاً بعامل واحد، بل يتقاطع مع مجموعة من الحسابات، وأبرزها قد يكون المحرك الأساسي لدى البيت الأبيض: ترمب لا يواجه إيران في فراغ إستراتيجي، بل يدير معركة تتشابك فيها خيارات العسكرة مع شرايين الاقتصاد العالمي وحركية أسعار الطاقة. وقد أثبتت جولات التوتر المتتالية أنه كلما اقتربت المواجهة من المنشآت النفطية الحيوية أو خطوط الملاحة في مضيق هرمز، تحوّلت التكلفة من الضغط على إيران إلى أزمة اقتصادية تطال العالم بأسره وتنعكس على التضخم والأسواق العالمية، من هنا، تتركّز التقييمات داخل أروقة القرار الأمريكي حول ما إذا كانت نتائج الخيار العسكري وتداعياته ستخدم المصالح العليا أكثر مما تخدمها «صفقة شروط». العامل الاقتصادي لا يفسر وحده خلفيات القرار، فترمب لم يتخلَ عن مبدأ القوة، بل ربما رأى أن عملية استعراض الجهوزية العسكرية ما زالت تؤدي الغرض الوظيفي والردعي بنجاح. فمجرد إدراك القيادة الإيرانية أن خيار الضربة بات واقعاً، كان كفيلاً بكسر الجمود وتحريك القنوات التفاوضية والرسائل الخلفية إلى مستوى أكثر جدية. ولهذا السبب تحديداً، اكتسبت التصريحات الصادرة عن وزير الخزانة الأمريكي بشأن إمكانية التوصل إلى تفاهمات ملموسة حول ملف الملاحة في مضيق هرمز خلال ساعات، وزناً سياسياً مضاعفاً.

الهدف الإيراني من إطالة الصراع

في المقابل، لم تقرأ طهران هذه التحوّلات من الزاوية الأمريكية ذاتها، إذ لا ترى أن ترمب نجح في فرض إرادته وشروطه الكاملة، بل اعتبرت أن ما حدث، إثباتاً إضافياً بأن كلفة الحرب الشاملة وتداعياتها الإقليمية ما زالت تفرض كوابحها على صناعة القرار في واشنطن. فلطالما بنت إيران عقيدتها التفاوضية على أن عنصر الوقت يعمل لصالحها، وأن إطالة أمد الأزمات يرفع كلفة المواجهة الاقتصادية والسياسية على الخصوم، غير أن هذا الرهان التاريخي لإيران يواجه اليوم معضلة جديدة، فترمب يرفض حروب الاستنزاف الطويلة، لكنه في الوقت ذاته يرفض الظهور بمظهر تراجع أو انكسار أمام قواعد الردع المتبادلة. لذلك ما زال يحتفظ بخيار النار، محوّلاً قرار التعليق المؤقت إلى ورقة ضغط وتفاوض إضافية.

فرص إسرائيل الضائعة

على الجانب الآخر، تنظر تل أبيب بنوع من الذهول والقلق إلى تعليق الضربة العسكرية، معتبرة أن هذه فرصة من عشرات الفرص التي ضاعت وكان يجب استغلالها لتفكيك البنية التحتية والقدرات الإيرانية بشكل حاسم، وتخشى أن يمنح الوقت المستخدم تحت عنوان «المفاوضات»، المتنفس والوقت الكافيين لطهران لإعادة ترتيب أوراقها وتجاوز الضغوط. وهذا ما يؤكد أن الاختلاف ما زال قائماً بين الحليفين. ترمب يريد نتيجة سياسية قابلة للإعلان: اتفاق يضمن الملاحة، يحد من المخاطر النووية، ويجنّب الولايات المتحدة حرباً مكلفة، أما إسرائيل فتبحث بشكل دائم عن ضمانات أكثر جذرية تتعلق بقدرة إيران على إعادة بناء قوتها بعد أي اتفاق.

هل انتهى خطر العودة إلى سيناريو الضربة العسكرية؟

المؤشرات لا تدعم هذا الاستنتاج، فالواضح أن ترمب إذا تأكد أن إيران ما زالت تستخدم الحوار لكسب الوقت فقط، فإن العودة إلى التصعيد تبقى احتمالاً قائماً. الفرق أن واشنطن تريد هذه المرة أن تدخل أي مواجهة قادمة وهي قادرة على القول إنها «استنفدت كل الخيارات الدبلوماسية». والمسألة لا تبدو كما اعتقدها البعض، أن ترمب غيّر هدفه، بل إنه غيّر الوسيلة، والهدف لا يزال في انتزاع اتفاق بشروط تخدم واشنطن.

وبالعودة إلى السؤال حول خطر الضربة، فالجواب تحسمه النتيجة التفاوضية القادمة، فإن أثمر الرهان صفقة، تكون القوة قد أدّت غرضها، وإن أخفق، سنكتشف سريعاً أن الضربة لم تكن سوى مؤجلة.