«الجرب»، أحد الأمراض الجلدية المدارية المهملة التي لا تزال تُمثّل تحدياً صحياً عالمياً، رغم سهولة تشخيصه وعلاجه عند اكتشافه مبكراً. وهو مرض جلدي معدٍ تسبّبه القارمة الجربية، وينتقل غالباً عبر التلامس الجلدي المباشر لفترة كافية، كما قد ينتقل من خلال مشاركة الملابس والمفروشات، ويكثر انتشاره في الأماكن المزدحمة مثل المدارس ودور الرعاية والسجون وفي المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
وتمارس وزارة الصحة دوراً محورياً في مكافحة الجرب من خلال الترصد الوبائي، ورصد الحالات والتجمعات المرضية، وتوفير العلاج وفق البروتوكولات المعتمدة، مع علاج جميع المخالطين في الوقت نفسه للحد من انتقال العدوى، إضافة إلى تنفيذ حملات توعوية لتصحيح المفاهيم الخاطئة، ومنها أن الجرب يرتبط بقلة النظافة الشخصية.
وأدرجت منظمة الصحة العالمية الجرب ضمن الأمراض المدارية المهملة منذ 2017م، مشيرة إلى أن أكثر من 200 مليون شخص حول العالم يعانون منه في أي وقت، وأكثر من 400 مليون شخص تراكمياً كل عام. وتشير التقديرات إلى أن 5-50% من الأطفال في المناطق الفقيرة بالموارد مصابون بالجرب.
وتؤدي وزارة الصحة دوراً رئيسياً في مكافحة الجرب من خلال تعزيز الترصد الوبائي ورصد أي حالات أو تجمعات مرضية، خصوصاً في المدارس ودور الرعاية والسكن الجماعي، إلى جانب توفير الأدوية والعلاج وفق البروتوكولات المعتمدة، وضمان علاج المخالطين للحالات المصابة في الوقت نفسه لمنع استمرار انتقال العدوى. كما تنفذ حملات توعوية للتعريف بأعراض المرض وطرق انتقاله، وتصحح المفاهيم الخاطئة، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن الجرب مرتبط بقلة النظافة الشخصية.
كما تسهم الجمعيات الصحية والعلمية في نشر الثقافة الصحية عبر المحاضرات وورش العمل والحملات الإعلامية، وتقديم مواد توعوية مبسطة للمجتمع، إلى جانب تدريب الكوادر الصحية على أحدث أساليب التشخيص والعلاج، والمشاركة في المبادرات المجتمعية التي تستهدف المدارس والأحياء ودور الرعاية.
ويؤكد مختصون أن نجاح مكافحة الجرب يعتمد على تكامل الأدوار بين الجهات الصحية والمجتمع، إذ إن التشخيص المبكر، والالتزام بالعلاج، وعلاج جميع المخالطين في وقت واحد، إلى جانب الالتزام بإجراءات النظافة الخاصة بالملابس والمفروشات، تمثل الركائز الأساسية للحد من انتشار المرض ومنع تكرار الإصابة.
العثة والقارمة الجربية
أخصائي أول جلدية الدكتور عدنان علي البحبوح أوضح لـ«عكاظ»: إن الجرب مرض جلدي معدٍ تسبّبه حشرة مجهرية تُعرف بـ«عثة الجرب» أو «القارمة الجربية»، إذ تحفر أنفاقاً في الطبقة السطحية من الجلد وتضع بيوضها، ما يؤدي إلى حكة شديدة تزداد خلال الليل.
وأضاف ان انتقال العدوى يحدث غالباً عبر التلامس الجلدي المباشر والمطول مع الشخص المصاب، خصوصاً بين أفراد الأسرة، وقد ينتقل في بعض الحالات عبر مشاركة الملابس أو أغطية النوم، خصوصاً لدى المصابين بالجرب القشري شديد العدوى. وتزداد احتمالية الانتشار في الأماكن المكتظة مثل المدارس ودور الرعاية والسكن الجماعي.
وبيّن أن أبرز أعراض الجرب تتمثل في ظهور طفح جلدي وبثور صغيرة، مع إمكانية ظهور خطوط رفيعة متعرجة تمثل أنفاق العثة، وتتركز الإصابة غالباً بين أصابع اليدين، والمعصمين، والإبطين، وحول السرة والخصر، والجهة الداخلية للمرفقين، والصدر والأعضاء التناسلية، بينما قد تشمل لدى الأطفال فروة الرأس والوجه وراحتي اليدين وأخمصي القدمين.
الحذر من أغطية السرير
أخصائي الجلدية الدكتور البحبوح، أشار إلى أن إهمال العلاج قد يؤدي إلى مضاعفات، أبرزها الخدوش الناتجة عن الحك وما يصاحبها من عدوى بكتيرية ثانوية مثل القوباء، إضافة إلى مضاعفات نادرة كالتهاب كبيبات الكلى والحمى الروماتيزمية الحادة. كما قد يتطوّر المرض إلى الجرب القشري الذي يصيب غالباً الأطفال وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة، ويتميّز بانتشار القشور والحراشف وكثرة أعداد العث، وقد لا يصاحبه سوى حكة بسيطة.
وأضاف أن من الأنواع الأخرى للجرب الجرب الفقاعي الذي يظهر غالباً لدى كبار السن، والجرب العقدي الناتج عن تفاعل تحسّسي تجاه العث أو استمرار العدوى، ويظهر على شكل عقيدات جلدية في مناطق محددة من الجسم.
وأكد أن تكرار الإصابة لا يعني بالضرورة وجود ضعف في المناعة، وإنما يحدث غالباً بسبب التعرّض مجدّداً لمصدر العدوى، أو عدم علاج جميع المخالطين في الوقت نفسه، أو عدم الالتزام بطريقة العلاج.
وشدّد على أن الجرب لا يرتبط بقلة النظافة الشخصية، إذ يمكن أن يصيب أي شخص، كما أن استمرار الحكة بعد العلاج لا يعني فشل العلاج، فقد تستمر لأسابيع نتيجة استمرار الاستجابة المناعية بعد القضاء على العثة.
ولفت إلى أن أبرز التحديات التي تواجه الأطباء تتمثّل في تأخر التشخيص بسبب تشابه الأعراض مع أمراض جلدية أخرى، وعدم علاج المخالطين معاً، أو سوء استخدام العلاج، إضافة إلى اعتقاد بعض المرضى خطأً بأن استمرار الحكة دليل على عدم نجاح العلاج.
وأوضح أن العلاج يعتمد على أدوية القضاء على العثة، ويُعد كريم البيرمثرين بتركيز 5% من الخيارات العلاجية الأولى في معظم الحالات، مع ضرورة استخدامه وفق إرشادات الطبيب، وعلاج جميع المخالطين في الوقت ذاته، إلى جانب غسل الملابس وأغطية السرير والمناشف بالماء الساخن وتجفيفها بالحرارة، أو عزلها في أكياس مغلقة عدة أيام عند تعذر غسلها.
فحص كشط الجلد مجهرياً
أخصائي الأمراض الجلدية والتناسلية الدكتور نجيب السيد الفرنواني قال لـ«عكاظ»: إن الحكة الشديدة، خصوصاً أثناء الليل، المصحوبة بطفح جلدي قد تكون مؤشراً على الإصابة بالجرب، وهو من أكثر الأمراض الجلدية المعدية شيوعاً، وينتج عن طفيل مجهري يُعرف بـ«العث الحكّي» ويمكن علاجه بفعالية عند اكتشافه مبكراً.
وأوضح أن إصابة الوجه وفروة الرأس نادرة لدى البالغين، لكنها أكثر شيوعاً لدى الرضع، مشيراً إلى أن ظهور الأعراض لدى أكثر من فرد في الأسرة خلال فترة متقاربة يعد علامة مهمة على انتقال العدوى. ويعتمد التشخيص بشكل رئيسي على الفحص السريري ونمط انتشار الطفح والحكة، وقد يلجأ الطبيب إلى المنظار الجلدي أو فحص كشط الجلد مجهرياً عند الحاجة، إلا أن عدم العثور على الطفيل لا ينفي الإصابة.
وبيّن الأخصائي الدكتور الفرنواني، أن الجرب التقليدي هو الأكثر شيوعاً، ويتميّز بعدد محدود من الطفيليات مع حكة شديدة وطفح موضعي، بينما يُعد الجرب القشري من أشد الأنواع، إذ يصيب غالباً كبار السن وذوي المناعة الضعيفة ومرضى الأمراض المزمنة، ويتسم بكثرة أعداد الطفيليات وتكوّن قشور جلدية سميكة، وقد تكون الحكة فيه أقل وضوحاً رغم شدة العدوى.
وأشار إلى أن فترة حضانة الجرب تختلف حسب ما إذا كانت الإصابة لأول مرة أو متكررة؛ فقد تمتد في الإصابة الأولى من أسبوعين إلى ستة أسابيع، بينما تظهر الأعراض خلال أيام قليلة عند تكرار الإصابة بسبب سرعة استجابة الجهاز المناعي.
لا ينتقل من المسابح
أخصائي الأمراض الجلدية والتناسلية الدكتور الفرنواني، أكد أن انتقال العدوى يحدث عبر التلامس الجلدي المباشر والمطول مع المصاب، وقد ينتقل بدرجة أقل عبر الملابس أو أغطية السرير والمناشف المستخدمة حديثاً، خصوصاً في حالات الجرب القشري، موضحاً أن الطفيل لا يعيش خارج جسم الإنسان أكثر من 24 إلى 72 ساعة في الظروف الطبيعية.
ونفى انتقال الجرب البشري من الحيوانات الأليفة، موضحاً أن لكل نوع من الحيوانات سلالة خاصة من الطفيل، وقد تسبّب إصابتها للإنسان طفحاً مؤقتاً يُعرف بـ«الجرب الزائف» ولا ينتقل بين البشر.
وأضاف أن انتقال الجرب عبر الماء أو السباحة غير مثبت علمياً، بينما تزداد فرص انتشاره في البيئات التي تشهد مخالطة قريبة وطويلة مثل دور الرعاية والمدارس الداخلية والسجون.
وشدّد على أهمية علاج جميع المخالطين المقربين في وقت واحد حتى دون ظهور أعراض، وتجنب مشاركة الأدوات الشخصية، والالتزام بالخطة العلاجية، مؤكداً أن حالات الجرب القشري تتطلب إجراءات تنظيف بيئية أكثر شمولاً للمفروشات والأثاث للحد من انتقال العدوى.
المصافحة العابرة هل تنقله؟
استشاري الأمراض الجلدية والتجميل والليزر الدكتور مازن الجابري، يرى أن الجرب ينتقل غالباً عبر التلامس الجلدي المباشر والمطوّل بين المصاب وشخص آخر، كما يحدث بين الزوجين وأفراد الأسرة ومقدّمي الرعاية، أو في الأماكن المزدحمة التي تشهد احتكاكاً متكرراً. وقد تنتقل العدوى عبر الملابس أو أغطية النوم والمناشف المستخدمة حديثاً، بينما يُعد انتقالها عبر الأثاث والأسطح الصلبة أقل شيوعاً.
وأكد لـ«عكاظ»: أن المصافحة العابرة لا تُعد عادةً وسيلة لانتقال الجرب، إذ تحتاج العدوى غالباً إلى تلامس جلدي مباشر لفترة أطول. والمريض يصبح غير معدٍ بعد بدء العلاج الصحيح والالتزام بالتعليمات، التي تشمل غسل الملابس والمفروشات والمناشف المستخدمة قبل العلاج، واستبدال أغطية السرير، وعلاج المخالطين عند الحاجة.
وأشار إلى أن الحكة قد تستمر بعد العلاج لمدة تصل إلى أربعة أسابيع، ولا تعني بالضرورة استمرار الإصابة، فقد تكون نتيجة استمرار الاستجابة المناعية للطفيل أو تهيج الجلد أو وجود أكزيما مصاحبة. إلا أن استمرار الحكة بنفس الشدة أو ظهور طفح جديد يستدعي مراجعة الطبيب للتأكد من نجاح العلاج.
وحذّر من استخدام الكريمات المحتوية على الكورتيزون قبل القضاء على الطفيل؛ لأنها قد تخفف الحكة مؤقتاً لكنها لا تعالج الجرب وقد تؤخر التشخيص، كما شدد على أهمية عدم استخدام علاجات الجرب دون استشارة الطبيب، خصوصاً لدى الحوامل والمرضعات والأطفال الصغار.
علاج المخالطين دفعة واحدة
استشاري الأمراض الجلدية والتجميل والليزر الدكتور الجابري، بيّن أن من أبرز الأخطاء التي تؤدي إلى استمرار العدوى عدم علاج جميع المخالطين في وقت واحد، أو الاستخدام الخاطئ للعلاج الموضعي، أو عدم تنظيف الملابس وأغطية النوم والمناشف المستخدمة قبل العلاج. ونصح بغسلها بالماء الساخن وتجفيفها جيداً، أو عزل القطع غير القابلة للغسل في أكياس محكمة لمدة أسبوع على الأقل.
وأوضح أن الحكة الليلية الشديدة تُعد أبرز أعراض الجرب لدى مختلف الأعمار، إلا أن أماكن الإصابة تختلف؛ إذ يظهر لدى البالغين غالباً بين الأصابع والرسغين والإبطين والخصر وقد يمتد إلى الأعضاء التناسلية والأرداف، بينما قد يصيب لدى الرضع والأطفال فروة الرأس والوجه والرقبة وراحتي اليدين وأخمصي القدمين.
وأكد أن الجرب قد يصيب الحوامل والمرضعات، لكنه لا ينتقل إلى الجنين أو عبر حليب الأم، لأن الطفيل يعيش في الطبقة السطحية من الجلد، إلا أن الأم قد تنقل العدوى إلى رضيعها عبر التلامس المباشر. وأشار إلى وجود علاجات موضعية آمنة لهذه الفئات تحت إشراف الطبيب، مع ضرورة تجنّب بعض الأدوية غير المناسبة لهم.
ولفت إلى أن إهمال علاج الجرب قد يؤدي إلى مضاعفات، أبرزها الالتهابات البكتيرية الثانوية الناتجة عن خدش الجلد، إضافة إلى استمرار انتقال العدوى بين أفراد الأسرة والمخالطين وانتشارها في التجمعات، مؤكداً أن التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج وعلاج المخالطين يمثلون أهم خطوات السيطرة على المرض.