كان أحد المعارف في زمن الدراسة؛ يعشق الضحك؛ وإن دون سبب؛ فهو كائن ضاحك؛ وإن تعرّض لمظلمة تعالت ضحكاته؛ ولو انضرب في المدرسة يعود إلى طاولته يقهقه؛ بل حتى وهو في سابع نومة ترى ملامح وجهه منفرجة الأسارير؛ وعندما تأتيه نصيحة من كبير أو كبيرة سِنّ؛ بأن كثرة الضحك تُميت القلب؛ يردّ ضاحكاً؛ قلبي ميّت من زمان، فيأتيه الردّ؛ الله يهنيك بقلبك.
وقديماً كان لحضور كبار السن الوقورين في حياة الناس هيبة؛ وكانوا سُلطة يبكّتون كل من يخرج عن النص في مجالسهم؛ ولا يغفرون لمن يتطاول بعبارة أو إشارة؛ وينعتونه، بأقبح الصفات؛ ولو ضحك دون سبب؛ يسمع (ما يضحك إلا الهائمات من النساء وإلا رجالٍ ما تداري العاقبة).
وشخصيات البشر كانت ولا زالت تتوزع بين تراجيدي، وكوميدي؛ وبهلول، والبهلول يوصف بأنه من العارفين؛ وله كرامات، ودعاؤه مُستجاب كما كنا نسمع. ومن الشخصيات الخالدة في الذاكرة (المسحور) وكان شاباً وسيماً افتتنت به بائعة متجولة، فسحرته ليتبعها؛ إلا أن أهله كانوا حريصين على مداواته لدى الفقهاء، ولكنه لم يُشفَ، واحتفظ بمهارة النقد الساخر. وعندما توفي والده تزوجت أمه بعمّه، فقال له أحد الملاقيف؛ مبروك زواج أمك، فردّ عليه؛ عقبال أُمّك.
ولم يكن يحتدّ كبار القرى، أشدّ الاحتداد إلا على خفيف الظلّ، ويعدونه خطراً على نسائهم وعلى قراراتهم. ويلقبونه؛ بمضحك الحريم، ولُبانة اللوطة؛ ويحذرون من دخوله لبيوتهم في غيابهم، وكانوا ينقمون على بعض المُدرسين العرب، الذين كانوا يعتنون بأبدانهم وشعورهم الطويلة، وكان أحد المعمرين متزوجاً بسيدة شابة وجميلة، وكلما لاحظ تحركات للمعلمين، يقطع شغله ويعود للبيت داعياً على من ابتلاهم بهاذولا الأوادم اللي كما التفاح، ويقول؛ بيوزوني ابتني لي محجاة سدة الباب.
وبالطبع كانت النكتة أو التعليق الساخر، يأتيان عفويين وغير متكلّفين، ويبقى الصدى يتردد ويستعاد، ويراعى فيه فنّ القول، وعدم الابتذال أو الإسفاف، والبعض ينكّت على نفسه. وكان قرويّاً ساخراً يستفز العريفة بتعليقاته ومرة سمع أن العريفة نوى السفر إلى مصر ليركّب أسنان، فقال له؛ صد لك قرد وركب رأسه محل رأسك أوفر لك من السفر، كما تصدر النكتة عن رئيس ومرؤوس؛ ولعل من قديم النكات الواردة على لسان حاكم؛ جاءت جواباً على حلاقه الثرثار، فعندما سأل الحلّاق الحاكم؛ كيف يريده يقص له شعره، أجابه: «في صمت».
ولم تغب النكتة السياسية عن الفضاء العربي، ومن ذلك؛ أنّ عربيّاً زار صديقه في بلد عربي؛ ولأن الضيف مهندس سدود، سأل صديقه؛ إيش أشهر سدّ عندكم؟ فأجابه؛ سدّ فمك. ومما يروى عن أحد المثقفين أن مسؤولاً طلب منه يقترح اسماً لأحد السدود، فقال له؛ سدّ الخير، وأحد الطلاب في بلد عربي تأخر في صالة الامتحان عن الوقت، وهو لم يُجب على أي سؤال، فسأله المراقب؛ عن سبب تأخره، فقال؛ أحاول فهم الأسئلة، فقال المراقب؛ ساعتين تحاول أن تفهم، فعلّق الطالب؛ استكثرت عليّ ساعتين والرئيس الذي حكمنا ربع قرن لم يفهمنا إلا في آخر نصف ساعة من عمره الرئاسي.
لا ينتقد المقال النكيتة، إلا أن بعضها مستهلك، وبعضها ثقيل دم، والبعض كلما لقط نكتةً من هنا أو هناك، أعاد بثها وهو يضحك ببلاهة. وليس طبيعياً أن نتحوّل جميعاً في عالمنا العربي إلى (نكتنجية) ومضحكاتية، وإن حدث فربما تكون هناك أسباب يرصدها علماء الاجتماع. والنكتةُ لا تعد بذاتها مستهجنة، بل يأتي الاستهجان من غثاثة روح الناقل أو القائل، وتاريخيّاً دوّن فقهاء كُتب المُلح، والقصص ذات الحكايات الطريفة التي كان يتسلى بها الناس في مسامراتهم، ولا غنى للنفس عن سماع ما يبهجها ويعزز مناعتها، شرط ألا تكون سبباً في أذيته؛ فأحد النخب الخليجية زار رئيس دولة (كثير حماقات)، بمناسبة انعقاد مؤتمر، وعندما انتقل مع السائق قاصدين خيمة الزعيم، مروا بسور طويل، فسأل السائق؛ ماذا خلف هذا السور؟ فأجابه؛ مصحة الأمراض النفسية، وبمجرد انتهى السلام على الرئيس، ابتدر الضيفَ بسؤال؛ ما أبرز ما لفت انتباهك في عاصمتنا؟ فأجاب بثقة وبنوع من المزاح المُبطّن؛ مصحة الأمراض النفسيّة، فنهض محتدّاً، وتبعته حاشيته؛ وظلّ الضيفُ وحيداً لساعات ينتظر مصيراً مجهولاً.