عندما أعلنت الولايات المتحدة مؤخراً ضخ مليارات الدولارات لدعم الين الياباني بعد وصوله إلى أدنى مستوياته منذ عقود، بدا المشهد وكأنه خطوة لإنقاذ الاقتصاد الياباني والحفاظ على استقرار الأسواق العالمية. في الاقتصاد الدولي، نادراً ما تكون التدخلات الكبرى عملاً خيرياً أو دعماً مجانياً لحليف. هناك قاعدة اقتصادية غير مكتوبة تقول إن الدول الكبرى لا تتدخل في أسواق العملات من أجل الآخرين، إنما عندما تقتضي مصالحها ذلك. العملات تتجاوز كونها وسيلة للتبادل أو مقياس للقيمة، لتصبح أداة تعكس توازنات التجارة، وحركة رؤوس الأموال، والسياسة النقدية، وحتى موازين القوى الاقتصادية بين الدول. من هنا يبرز سؤالان: لماذا أصبحت العملة اليابانية قضية تستحق تدخلاً أمريكياً؟ وما الذي تخشى واشنطن خسارته إذا استمر الين في التراجع؟ القراءة الاقتصادية تشير إلى أن ما بدا في ظاهره دعماً لليابان قد يكون في جوهره خطوة لحماية مصالح أمريكية أوسع، تمتد من سوق سندات الخزانة إلى تكلفة تمويل الدّيْن العام، وصولاً إلى القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي.
الإجابة تبدأ من حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن اليابان تتجاوز فكرة كونها ثالث أكبر اقتصاد في العالم، لتكون أحد أكبر الدائنين الأجانب للحكومة الأمريكية من خلال استثماراتها الضخمة في سندات الخزانة بما يقارب 1.1 تريليون دولار. مع تجاوز الدّيْن العام الأمريكي 37 تريليون دولار، أصبحت الحكومة الأمريكية أكثر اعتماداً على استمرار الطلب العالمي على سندات الخزانة لتمويل احتياجاتها المتزايدة. من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التدخل الأمريكي باعتباره خطوة وقائية أكثر منه عملية إنقاذ. الهدف لم يكن فقط دعم الين، إنما أيضاً تجنّب اضطرابات قد تمتد إلى سوق السندات الأمريكية، التي تُعد حجر الأساس للنظام المالي العالمي.
كان الين قد تراجع إلى مستويات لم يشهدها منذ نحو أربعة عقود، مقترباً من 164 يناً للدولار. يعود جانب كبير من هذا الضعف إلى اتساع الفارق بين أسعار الفائدة الأمريكية واليابانية. المستثمر يستطيع الاقتراض بالين بتكلفة منخفضة، ثم يحوّل أمواله إلى الدولار ويستثمرها في سندات أو أصول أمريكية تحقق عائداً أعلى. المعروف، كلما اتسع هذا الفارق زاد بيع الين وشراء الدولار، فيما يعرف بتجارة فروقات العائد أو الـCarry Trade.
في المقابل، كلما ضعف الين ازدادت الضغوط على الاقتصاد الياباني، سواء من خلال ارتفاع تكلفة واردات الطاقة والغذاء أو زيادة معدلات التضخم. إذا قررت السلطات اليابانية الدفاع عن عملتها منفردة، فإنها تحتاج إلى سيولة دولارية كبيرة لشراء الين من الأسواق. أحد الخيارات المتاحة أمام الحكومة اليابانية هو بيع جزء من احتياطاتها المقوّمة بالدولار، بما في ذلك سندات الخزانة الأمريكية. هنا يتحوّل ضعف الين من مشكلة يابانية إلى تحدٍّ أمريكي، لأن بيع كميات كبيرة من السندات يؤدي إلى انخفاض أسعارها وارتفاع عوائدها، وهو ما يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية، وامتداد الأثر إلى الشركات والأسر والأسواق المالية. بالنسبة لإدارة تسعى إلى احتواء كلفة خدمة الدّيْن وتحفيز النمو، فإن آخر ما تريده واشنطن هو أن يبدأ أحد أكبر مموليها الخارجيين بتقليص حيازاته بسرعة؛ لذلك يمكن قراءة التدخل الأمريكي باعتباره عملية وقائية من خلال مساعدة اليابان على دعم الين من دون اضطرارها إلى إغراق السوق بالسندات الأمريكية.
هذه ليست القصة كلها. الإدارة الأمريكية، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترمب، تنظر أيضاً إلى أسعار الصرف باعتبارها أداة تؤثر في ميزان التجارة. الين الضعيف يجعل المنتجات اليابانية أكثر قدرة على المنافسة داخل السوق الأمريكية، ويمنح الشركات اليابانية ميزة سعرية يصعب على المنتج الأمريكي مجاراتها. بالتالي، فإن استقرار الين أو ارتفاعه نسبياً ينسجم مع هدف أوسع يتمثّل في تقليص الاختلالات التجارية ودعم الصناعة المحلية، دون اللجوء دائماً إلى فرض رسوم جمركية جديدة. واشنطن لا تقدم منحة مجانية لحليفها، بل تدفع مبلغاً محدوداً اليوم لتجنّب فاتورة أكبر غداً.