• المؤسسات لا تحتاج لأنظمة تقدم إجابات أفضل فقط، بل إلى تقنيات قادرة على فهم العمليات والقرارات التي تقوم عليها الأعمال والمشاركة في تنفيذها
يكاد لا يمر أسبوع من دون الإعلان عن حلول وأنظمة ذكاء اصطناعي جديدة أكثر تقدماً لأتمتة العمل المؤسسي. وعلى الرغم من هذا الزخم المتسارع، فإن الكثير من هذه الابتكارات لا تزال تركّز على التقنية بحدّ ذاتها، لا على احتياجات الأعمال والعمليات التي تعتمد عليها المؤسسات في إدارة أعمالها اليومية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، لأن المؤسسات لا تبحث عن إجابات أفضل فحسب، بل عن قرارات أفضل ونتائج أفضل. ففي بيئة الأعمال، نادراً ما تكون القرارات مستقلة أو معزولة. فكل قرار تشغيلي أو مالي يرتبط بمجموعة واسعة من البيانات والأنظمة والسياسات والالتزامات والأولويات المتداخلة. ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في قدرته على الإجابة عن سؤال أو تنفيذ مهمة منفردة، بل في قدرته على فهم سياق الأعمال بالكامل والتعامل مع التعقيدات التي تحكم كيفية عمل المؤسسة وتحقيق أهدافها.
خلال العديد من النقاشات التي أجريتها مع مسؤولين وشخصيات تنفيذية على مدار العام الماضي، كان النقاش ينتقل سريعاً من الحديث عن قدرات الذكاء الاصطناعي إلى واقع العمليات داخل المؤسسات. إن التطور التقني بات واضحاً للجميع، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في مدى قدرة هذه الأنظمة على فهم بيئات الأعمال التي تعمل ضمنها.
ولا يزال كثير من النقاش حول الذكاء الاصطناعي ينطلق من افتراض مفاده أن النماذج الأكثر تقدماً ستقود بالضرورة إلى نتائج أعمال أفضل. إلا أن المؤسسات تكتشف اليوم أن الذكاء الاصطناعي لا يحقق قيمته الحقيقية بمجرد امتلاكه لقدرات أعلى، بل من خلال فهمه للبيئة التشغيلية التي يعمل ضمنها. فعندما ينفصل الذكاء الاصطناعي عن العمليات والبيانات والسياسات والضوابط التي توجه أعمال المؤسسة وتحكمها، فإنه قد ينجز المزيد من المهام، لكنه لا يحقق بالضرورة مزيداً من التقدم. بل إن ذلك قد يؤدي أحياناً إلى زيادة التعقيد وخلق مخاطر جديدة بدلاً من الحد منها.
قد تبدو التوصية التي يقدمها الذكاء الاصطناعي دقيقة ومقنعة، لكنها قد تغفل تداعيات مهمة في أجزاء أخرى من المؤسسة. كما قد يتمكن وكيل ذكاء اصطناعي من تحسين سير عمل محدد، في حين يتسبب دون قصد في إرباك عمليات أو خطط ترتبط به. ولهذا، فإن المشكلة لم تعد في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الإجابات أو تنفيذ المهام، بل في قدرته على فهم تبعات قراراته داخل بيئة أعمال مترابطة تتأثر فيها كل عملية بما يحيط بها من عمليات أخرى.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الجيل الجديد من حلول الذكاء الاصطناعي للمؤسسات؛ فالمسألة لم تعد تتعلق بتنسيق المهام والأنظمة فحسب، بل بفهم سياق الأعمال الذي تُتخذ وتُنفذ ضمنه القرارات.
على مدى عقود، شكلت أنظمة المؤسسات البنية التشغيلية التي تقوم عليها أعمال الشركات والاقتصادات حول العالم. إن الأنظمة التي تدير الشؤون المالية وسلاسل التوريد والمشتريات والموارد البشرية والتصنيع وخدمة العملاء لا تقتصر وظيفتها على حفظ البيانات أو معالجة المعاملات، بل تجسد الكيفية التي تعمل بها المؤسسات فعلياً، فهي تحتفظ بسنوات من الخبرات المتراكمة، وتوثق العمليات والسياسات والضوابط والصلاحيات والعلاقات التي تحكم سير الأعمال واتخاذ القرارات. وبذلك، تمثل هذه الأنظمة الذاكرة المؤسسية التي تستند إليها المؤسسات في إدارة أعمالها وتوجيه نموها.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية هذا السياق المؤسسي أكثر من أي وقت مضى. فبدونه، تبقى مُخرجات الذكاء الاصطناعي مجرد تخمينات محتملة، لا قرارات تستند إلى فهم حقيقي لواقع الأعمال.
وعندما يرتبط الذكاء الاصطناعي مباشرة بالعمليات التي تدير المؤسسة، يصبح قادراً على استيعاب الصورة الكاملة للأعمال وما يجري داخلها من ترابطات وتأثيرات متبادلة. وعندها لا تقتصر وظيفة الأنظمة المؤسسية على تسجيل المعاملات أو إدارة العمليات، بل تبدأ بالمساهمة الفعلية في تنفيذ الأعمال واتخاذ الإجراءات المناسبة.
يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي رصد المخاطر في مراحل مبكرة، وتنسيق الاستجابة لها عبر مختلف الإدارات، واقتراح الإجراءات الملائمة في الوقت الفعلي، وأتمتة المهام المتكررة ضمن ضوابط محددة. لكن ذلك لا يتحقق من خلال وكلاء مستقلين يعمل كل منهم بمعزل عن الآخر، بل عبر ذكاء اصطناعي يرتبط مباشرة بالعمليات والبيانات والقواعد التي تقوم عليها المؤسسة.
ومن المهم التأكيد أن الاستقلالية في بيئة الأعمال لا تعني إقصاء العنصر البشري من عملية اتخاذ القرار، حيث إن الغاية منها تتمثل في الحد من التعقيدات الإجرائية والتجزئة التشغيلية والأعباء الإدارية التي تعيق المؤسسات عن العمل بالكفاءة والسرعة المطلوبة على نطاق واسع. ويبقى الإنسان مسؤولاً عن تحديد الأولويات واتخاذ القرارات وإقرار التوجهات الاستراتيجية وتحمل المسؤولية عنها. أما دور الذكاء الاصطناعي، فيتمثل في تنسيق وتنفيذ الأنشطة والمهام التشغيلية المرتبطة بهذه القرارات.
عندما يتعطل أحد الموردين المسؤولين عن توفير مكوّن حيوي لعمليات التصنيع، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي التقليدية شرح المشكلة أو التنبؤ بتداعياتها المحتملة. أما الذكاء الاصطناعي القائم على فهم العمليات التشغيلية، فيتعامل مع الموقف بصورة مختلفة تماماً. فهو لا يكتفي بتقديم الرؤى، بل يربط بين مختلف جوانب الأعمال المتأثرة بالحدث، إذ يمكنه تحديد خطوط الإنتاج المعرضة للتأثر، وتحليل أوضاع المخزون على مستوى المؤسسة، وتقييم خيارات التوريد البديلة، وقياس الأثر المالي المتوقع، ورصد المخاطر المتعلقة بالعملاء والالتزامات التعاقدية. والأهم من ذلك، أنه يستطيع تنسيق الاستجابة عبر المشتريات والخدمات اللوجستية والمالية وعمليات العملاء بصورة متزامنة.
ولا يقتصر الأمر هنا على أتمتة إجراءات العمل التقليدية، بل يتعلق بإرساء نموذج جديد للتفاعل بين الإنسان والأنظمة داخل المؤسسة. ولهذا أرى أن عصر الذكاء الاصطناعي لن يقلل من أهمية أنظمة المؤسسات، بل سيزيدها أهمية على نحو غير مسبوق.
ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من تقديم الرؤى إلى المساهمة في تنفيذ الأعمال، ستزداد أهمية الأنظمة القادرة على ربط الذكاء الاصطناعي بالواقع التشغيلي الفعلي للمؤسسة. وعندها لن تقتصر القيمة على امتلاك البيانات فحسب، بل ستكمن في امتلاك الأنظمة التي تفهم كيفية عمل المؤسسة، وما يحكمها من سياسات وصلاحيات وإجراءات واعتماديات وآثار مالية ومتطلبات للمساءلة والحوكمة على نطاق واسع.
يفرض هذا التحول على القيادات إعادة النظر في الطريقة التي تتعامل بها مع التحول المؤسسي.
لقد تركزت المرحلة الأولى من تبني الذكاء الاصطناعي في المؤسسات إلى حد كبير على التجريب والاستكشاف. فقد سارعت الشركات إلى اختبار المساعدات الذكية، وإطلاق المشاريع التجريبية، وأتمتة مهام محددة ومنفصلة. قليل منها حقق مكاسب حقيقية في الإنتاجية، وعدد أقل نجح في إحداث تغيير جوهري في الطريقة التي تعمل بها المؤسسات.
ستتبنى المؤسسات التي ستقود المرحلة التالية نهجاً مختلفاً، حيث ستربط هذه المؤسسات قدرات الذكاء الاصطناعي مباشرةً بالأنظمة والعمليات التي يتم ضمنها اتخاذ القرارات المؤثرة على الأداء والنتائج المالية للمؤسسة. كما ستدرك أن موثوقية الذكاء الاصطناعي لن تقتصر على الحوكمة فقط، بل سترتبط أيضاً بمدى جودة البيانات، وسلامة العمليات، والسياق الغنيّ الذي يعمل ضمنه، وقدرته على فهم المعاملات والأنشطة التشغيلية التي تقوم عليها الأعمال اليومية.
والأهم من ذلك، أن المؤسسات الرائدة ستدرك أن نجاح تبني الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب إدارة فعالة للتغيير المؤسسي. فالقيمة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يعمل الذكاء الاصطناعي والعمليات التشغيلية والكوادر البشرية ضمن منظومة واحدة ومتكاملة.
وستكون الأفضلية للمؤسسات القادرة على تحقيق هذا التوازن، حيث يواصل الإنسان تحديد الأولويات واتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية عنها، بينما تتولى الأنظمة الذكية تنسيق الأعمال وتنفيذها بكفاءة ودقة. ومن خلال هذا التكامل، ستتمكن المؤسسات من التعامل مع بيئة أعمال تزداد تعقيداً، بما يعزز من قدرتها على التكيف والإنتاجية واتخاذ قرارات أكثر ذكاءً.
* كبير نواب الرئيس والمدير التنفيذي لشركة إس إيه بي، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا