من الصعب التعامل مع ما تشهده المنطقة خلال الساعات الأخيرة على أنه سلسلة أحداث متفرقة. فالتوقيت، وتداخل الجبهات، وتزامن الرسائل العسكرية، وتشابك التحركات الميدانية، كلها تدفع إلى طرح سؤال واحد: هل بدأ بالفعل تنفيذ تفاهمات غير معلنة أعقبت اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أم أن إيران قررت استباق أي تفاهم محتمل بفرض قواعد اشتباك جديدة على امتداد الإقليم؟
هل تغيّرت قواعد اللعبة؟
اللافت أن المشهد لم يقتصر على جبهة واحدة. فالتطورات امتدت من الأردن إلى العراق، ومن جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، فيما تتجه الأنظار إلى باب المندب ومضيق هرمز باعتبارهما النقطتين الأكثر حساسية في المرحلة القادمة. هذا التزامن يصعب اعتباره مصادفة، فالاستهداف الإيراني لقواعد أمريكية في الأردن، وتحركات الحشد الشعبي داخل العراق واستهداف منشآت بترولية سعودية، والعمليات داخل الأراضي العراقية، فضلاً عن قصف أحزاب إيرانية معارضة في شمال العراق، وهجمات لحزب الله في الجنوب اللبناني ضد مواقع إسرائيلية، وإذا أضيف إلى كل ذلك الحديث عن احتمال تصعيد حوثي في اتجاه باب المندب، فإن الصورة تبدو أقرب إلى مشهد إقليمي يدفعنا إلى طرح سؤال ثانٍ، لماذا جاء هذا الحراك المتزامن في توقيت زيارة نتنياهو إلى واشنطن؟ وهل قرأت طهران الاجتماع باعتباره مؤشراً على مرحلة جديدة تستهدفها عسكرياً وسياسياً، فقررت إرسال رسائل استباقية تؤكد أنها لن تنتظر الضربة الأولى هذه المرة؟
هذه الفرضية، تجد ما يدعمها في الخطاب الإيراني الأخير الذي شدّد على أن مضيق هرمز لم يعد ورقة قابلة للتفاوض مجاناً، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تراعي المصالح الإيرانية. وإذا صحت هذه القراءة، فإن الرسالة الإيرانية تتجاوز المضيق نفسه، لتقول إن زمن انتظار المبادرات الأمريكية أو الإسرائيلية قد انتهى، وإنها صاحبة المبادرة، وهذه رسالة سياسية بقدر ما هي رسالة عسكرية، ومضمونها أن أي حرب مقبلة لن تبدأ عندما يقرر الطرف الآخر، بل عندما ترى طهران أن مصالحها تتطلب ذلك.
ترمب وحسابات الرد
في المقابل، لا يمكن استبعاد فرضية معاكسة، وهي أن نتنياهو حمل إلى البيت الأبيض مشروعاً لإعادة فتح الملف الإيراني عسكرياً، مستفيداً من اقتناعه بأن الضغوط وحدها لم تحقق الهدف المتمثل في تغيير سلوك طهران أو إضعاف برنامجها النووي بصورة حاسمة. وهذا ما أكدته التسريبات والأروقة السياسية بأن الملف الإيراني احتل صدارة النقاش مع ترمب بما يتجاوز الملفات الأخرى وصولاً إلى بحث كيفية إعادة رسم معادلة الردع في المنطقة.
وسواء كانت هذه التحركات نتيجة قرار إيراني استباقي، أو رداً على تفاهمات خرج بها اللقاء الثامن لترمب ونتنياهو، فإن النتيجة واحدة. لكن كيف سيتعامل كل طرف مع واقع فرض نفسه على الأرض، في ظل تصاعد الضغوط العسكرية وتضاؤل هامش المناورة السياسية؟
أمريكياً، يصعب على أي إدارة تجاهل استهداف قواتها أو مصالحها في المنطقة إذا ثبت وقوعه. ومن جهة أخرى، يدرك البيت الأبيض أن الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد يفتح أبواب حرب إقليمية يصعب التحكم بمسارها. من هنا تكمن صعوبة القرار، خصوصاً مع تعدد الجبهات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، فكل خيار يحمل ثمناً، وكل رسالة عسكرية قد تفتح الباب أمام رسالة مقابلة.
أما بالنسبة لنتنياهو، فإن أي تصعيد جديد قد يحمل بعداً سياسياً داخلياً أيضاً. فالرجل الذي يواجه تحديات سياسية مستمرة يدرك أن إظهار الحزم في مواجهة إيران يشكل أحد أهم عناصر خطابه الداخلي، كما أن أي تراجع قد يُفسر على أنه تنازل عن أهداف أعلنها مراراً، وفي مقدّمتها منع طهران من تعزيز قدراتها النووية والعسكرية.
الجبهات تتحرك.. من يملك قرار التصعيد؟
في المقابل، يبدو أن القرار داخل إيران يميل بصورة متزايدة إلى المؤسسة العسكرية، مع تصاعد حضور الحرس الثوري وقيادة مقر خاتم الأنبياء في إدارة الرسائل الميدانية، بينما يتراجع الدور الدبلوماسي إلى الخلف في انتظار ما ستؤول إليه التطورات.
فهل ستبقى الردود العسكرية ضمن قواعد الاشتباك التي تسود الجبهات، أم أن لقاء ترمب ونتنياهو أفضى بالفعل إلى رسم خطوط حمراء جديدة ستفرض إيقاعاً مختلفاً على المنطقة، حيث يصبح أي احتكاك ميدانياً قابلاً للتحوّل إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها؟ المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، لم تعد فيها الجبهات تتحرك بمعزل عن بعضها، بل بات أي تطور في ساحة قادراً على استدراج ردود فعل تمتد إلى ساحات أخرى. وفي ظل هذا الترابط، يترقب الجميع ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية.