النادي الأهلي، منذ تأسيسه وحتى اليوم، يعيش -في تقديري- أفضل وأميز مرحلة في تاريخه، ولا أقصد تاريخه الكروي فحسب، بل مسيرته الرياضية والإدارية بأكملها -اللهم لا حسد- ولذلك، ليس مستغرباً أن نرى هذه الحالة الاستثنائية من الفرح والبهجة التي يعيشها أنصار ومحبو هذا الكيان، وهم على قناعة تامة بأن ناديهم قد ودّع سنوات الحزن والإحباط، وأن مستقبلاً مشرقاً ينتظره، في ظل مشاركاته القارية والدولية خلال الموسم الحالي، إلى جانب منافساته المحلية التي يبدو أنه استعد لها بصورة جيدة.
- ورغم الأخبار المتداولة هذه الأيام عن احتمالية رحيل مدرب الفريق الأول ماتياس يايسله، الذي حقق إنجازات كبيرة مع الأهلي، فإنني -بصرف النظر عن صحة هذه الأنباء من عدمها- لا أشعر بأي قلق على مستقبل الفريق. فالأهلي اليوم يعمل وفق فكر إداري مؤسسي «منظم»، أثبت نجاحه خلال الموسمين الماضيين، ويبدو أنه ماضٍ في النهج نفسه بثبات.
- وما يعزز هذه الثقة وجود رجال يعملون بصمت خلف الكواليس، لا يبحثون عن الأضواء، لكنهم يشاركون بفاعلية في صناعة مرحلة جديدة لأهلي مختلف، يصعب مقارنته بالأهلي الذي عرفناه قبل مشروع الخصخصة. ومن القرارات التي أراها بالغة الأهمية قرار تجميد وإلغاء الألعاب المختلفة. قد يختلف البعض مع هذا القرار، لكنه -من وجهة نظري- يعكس فهماً مؤسسياً حديثاً لإدارة النادي، يقوم على التخصص والتركيز في لعبة واحدة، هي كرة القدم، بما يتوافق مع مفهوم الشركات الرياضية، ويهيئ الأهلي لمرحلة ما بعد المالك الحالي، وفق رؤية استثمارية بعيدة المدى.
- كما أن هذا التوجه سيخفف مستقبلاً الأعباء المالية والإدارية والبشرية، ويوجه جميع الموارد والإمكانات نحو مشروع كروي متكامل، بما قد يجعل الأهلي أول نادٍ سعودي يتخصص بالكامل في كرة القدم وفق نموذج احترافي واضح.
- وعندما يقرر رئيس النادي خالد الغامدي، بعد نهاية ولايته، عدم الترشح لفترة رابعة، رغم النجاحات التي حققها، وبعد أن كسب الرهان أمام من شككوا في قدراته خلال عامه الأول، مفضلاً خوض تجربة جديدة عبر الترشح لرئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم، فإن هذا القرار يحمل دلالات تستحق التوقف عندها. فوفقاً للعقلية التي سادت أنديتنا لعقود، يبدو مثل هذا القرار غريباً، بل أقرب إلى المستحيل. فمن المنطقي أن يتمسك أي رئيس بمنصبه بعد سلسلة من النجاحات والإنجازات، لا أن يغادره بإرادته.
- وهنا بيت القصيد.. رئاسة النادي لم تعد المنصب «المغري» كما كانت قبل الخصخصة. فقد انتهى زمن البهرجة الإعلامية، وتقلصت صلاحيات الرئيس، ولم يعد هو الآمر الناهي وصاحب القرار الوحيد، كما كان في السابق.. للأسف، كثير من الجماهير لا تزال تنظر إلى الرئاسة بالمنظور القديم، بينما الواقع اليوم مختلف تماماً. فالعمل داخل شركات الأندية أصبح عملاً مؤسسياً تحكمه الحوكمة، وتوزع فيه الصلاحيات والمسؤوليات بوضوح، ولذلك فإن النجاح أصبح يُنسب إلى المنظومة بأكملها، لا إلى الرئيس وحده، كما كان يحدث في الماضي، حين كانت الأضواء تُسلط على شخص واحد، بينما تُهمّش أدوار من أسهموا فعلياً في صناعة الإنجازات.
- خلاصة القول:
ألف مبروك لكل أهلاوي هذا الأهلي الجديد. الأهلي الذي لا أرى ما يدعو للخوف على مستقبله، بل أرى أنه يسير بثبات نحو مرحلة أكثر نضجاً واحترافية، وقادر على أن يكون أحد أنجح النماذج في تطبيق مشروع الخصخصة.. ولكن، ورغم هذا التفاؤل، فإن الأهلي لا يزال بحاجة إلى تطوير جانب مهم، يتمثل في بعض الطروحات الإعلامية المحسوبة عليه، التي ما زال بعضها يعيش بعقلية الماضي، ويخاطب واقعاً لم يعد موجوداً، غير قادر على مواكبة المرحلة الجديدة التي دخلها النادي، وهي مرحلة مختلفة تماماً، ينبغي أن تختلف معها لغة الإعلام وأدواته وأسلوب تعاطيه مع الأحداث.
وأخيراً...
هذه رؤية نقدية، أرجو أن أكون قد وفقت في طرحها، متمنياً أن تستفيد منها أندية أخرى، وفي مقدمتها الاتحاد والنصر، فتراجع تجاربها وتستوعب متطلبات المرحلة الجديدة.. أما الهلال.. فهو قصة مختلفة تماماً، ولذلك آثرت ألا أظلمه بفقرة عابرة في نهاية هذا المقال. فهو يستحق مقالاً مستقلاً، أحاول فيه تفسير كيف استطاع أن يعيش في كوكب آخر، كوكب مختلف عن بقية الأندية.