كالفجر الصادق، والوعد المنجز بلا إبطاء أو مطل أو تسويف؛ جاءت البشارة بإعلان اتفاق المملكة والولايات المتحدة لتطوير البرنامج النووي السعودي، لحظتها جالت في خاطري كلمح البرق، مواقف مشرقة حفيلة بكلمات بارقة، صدع بها وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في العديد من المحافل العالمية، معلنًا اقتراب دخول المملكة إلى النادي النووي العالمي، وتحديدًا في العام 2026م، من الباب السلمي، والاستفادة المشتركة مع العالم.
وقتها زاد يقين الواثقين بمستشرفات «الرؤية»، في تحقيق ما يبدو عسيرًا على ذوي الخيال الضّامر، والهمة المتقاعسة، والعزيمة الفاترة، فانحبسوا في خانة التشكيك في القدرات، ولاث آخرون القول بمحركات الحسد، تحذيرًا من امتلاك المملكة لأسباب هذه الطاقة الحيوية، وبعثوا «نظرية المؤامرة» من مراقد الفتنة، وادّعوا ما ادّعوا تخويفًا وترهيبًا وتحشيدًا ضد هذا المشروع المهم..
لكنّ المملكة كانت على الوعد، كما حالها منذ انبثاق فجر «الرؤية»، قولًا متبوعًا بعمل، ووعدًا مسطورًا بمداد الإيفاء وفق منضبط المواعيد، ومجدول المواقيت، كلّ شيء محسوب بمقدار، ومرسوم بتخطيط واعٍ، ويستند إلى «رجال» تخيّرتهم القيادة على مقياس الثقة، وميزان الاقتدار، وعزيمة الإنجاز.
ولذا فلمقالهم في المحافل وزن، ولتصريحاتهم وقع يدرك الآخرون صداه.. كما كان الحال مع وزير الطاقة في الدورة الـ(68) للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في فيينا العام الماضي، حين أشار سموه إلى أن المملكة ماضية في تنفيذ مشروعها الوطني للطاقة النووية بجميع مكوّناته، ومن ذلك بناء أول محطة للطاقة النووية، وأنها تقدّمت للوكالة الدولية للطاقة الذرية في يوليو الماضي بطلب إيقاف بروتوكول الكميات الصغيرة، والتحول إلى التطبيق الكامل لاتفاق الضمانات.
كما جدّد الوعد في كلمته بمؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض، قبل أقل من عام، حين أعلنها بصوت الواثق المطمئن نواجه باستمرار تساؤلات حول نجاحنا في قيادة قطاع الطاقة العالمي وتحقيق هذه الإنجازات الكبيرة، والإجابة ببساطة هي أننا لدينا عمل مستمر في قطاعات الطاقة المختلفة بالتعاون مع الشركات الكبرى المحلية والعالمية، وخاصة في قطاع الطاقة المتجدّدة مع توفير أفضل أسعار لشراء الطاقة للمحافظة على نمو وتنافسية القطاع.
إن الشواهد المدلّلة على مضي المملكة في هذا الاتجاه، والتخطيط له؛ كثيرة بما ينفي بشكل قاطع وحاسم أي محاولة للنظر إلى خطوتها الحالية من ثقب نظرية المؤامرة، وربطها بالأحداث الجارية في المنطقة، فهو أمر سعت له المملكة مع الولايات المتحدة الأمريكية وفق حاجتها لتنويع مصادر الطاقة، وموافاة المتغيّرات العالمية في هذا السوق ببحثه عن بدائل للطاقة التقليدية، بما توجّب على المملكة أن تكون حاضرة في الصدارة، بمثل ما ظلت في صدارة العالم من حيث الطاقة التقليدية.
هو توجه صريح وواضح، وهدف نبيل صرّح به الأمير عبدالعزيز بن سلمان في مؤتمر الاستثمار بقوله نحاول في قطاع الطاقة أن نثبت قدرتنا التنافسية على توفير الطاقة للعالم في ظل مشهد عالمي يدعم التحول خاصة في قطاع الصناعة.
من هذا الباب، لا غيره، يجب أن تُقرأ خطوة المملكة المباركة باتجاه الطاقة النووية، مقرونة أيضًا بالتطمين الأمريكي الذي صدر عن وزارة طاقتها بالتأكيد على أن الاتفاق (ومعه اتفاق آخر مرافق يتعلق بالضمانات) يضع الإطار القانوني لشراكة تمتد لعقود وتُقدَّر بمليارات الدولارات، بما يدعم تلبية احتياجات المملكة من الطاقة، ويتيح للشركات الأمريكية المشارَكة في البرنامج النووي السعودي، الالتزام بأعلى معايير السلامة والأمن النووي ومنع الانتشار
مقرونًا مع تصريح وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت في قوله يمكنكم الاطمئنان إلى أن هاتين الاتفاقيتين تلتزمان بأعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار، وتعتمدان على أفضل التقنيات النووية والعلماء في العالم، وهي تقنيات طُوّرت هنا في الولايات المتحدة. وبفضل الرئيس ترمب، تشهد الولايات المتحدة نهضة نووية ستعود بفوائد طويلة الأجل على الشعبين الأمريكي والسعودي.
نحن في ظل عهد جديد، ينحسر فيه ظل المستحيل، ويمتد بإزائه أفق الممكن بأقصى الاحتمالات، لا شيء يوقف الطموح، ولا مصدات تمنع الرهان بالتحدي في سوح الإنجاز.
ستمضي المملكة مع «النووي» على مدارج الطريق السلمي، لتفيد وتستفيد، بغير تهديد يقلق الجيران، ولا وعيد يعكر صفو العالم.. سيكون إضافة حقيقية لسيادة المملكة في سوق الطاقة، وعندها سنعيد جميعًا رهان التحدي الذي رفعه وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في وجه الصين إبان مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار».. «نقول لأصدقائنا الصينيين حول نقل وتوزيع الطاقة عليكم تطوير مشاريعكم وإلا ستصبح السعودية في المركز الأول. نعمل بمختلف مجالات الطاقة بدون استثناء».
فيا له من رهان وشيك ستكسبه المملكة دون ريب، فليثق الواثقون، وليزداد المرتابون ريبة في محضن عجزهم المغبون.
حفظ الله هذا الوطن وقيادته الغالية وكل من يعيش على ترابه.