إيران ضعيفة كما تظهر الأرقام الاقتصادية، وما تكبدته خلال الحروب والعقوبات والحصار، وإيران قوية لأنها تخرج من كل جولة مفاوضات غير ناجحة لتتوعد وترعد وتزبد وتؤكد أن الوقت لا يهمها، وأن سلتها الغذائية مليئة بمؤن من العزة والكرامة والرصيد الحضاري.
ما يبدو تناقضاً هنا يحتاج تفكيكاً على مستوى ثلاث طبقات، الأولى ارتكاز إيران على أن مصلحة الصين وروسيا في بقائها كدولة مصد، ولكل منهما مصالحه المفصلة تحت هذا العنوان، ووجبتهما المختلفة على نفس الطاولة، أولاً كلاهما يجمعهما مصلحة في دور إيران المزعج للغرب، وبالتالي مصلحة في الدور الوظيفي لا الحليف الذي تضحي بمصالحك من أجله.
لكن الفروق الجوهرية تكمن في أن الصين تستورد جل النفط الإيراني وتتأثر بإغلاق مضيق هرمز، وأي خلل في نظام الحكم يؤثر إستراتيجياً على طريق الحرير، مع ضرورة التذكير أن نسبة إيران من مشتريات إيران النفطية قليلة، أما في الزاوية الأخرى فروسيا دولة منتجة للنفط، وخروج أي مُنتج من السوق وبالتالي شح في الصادرات فذاك خبر سار للكرملين، خاصة إذا ترافق مع لمسة عطف أمريكية برفع العقوبات عن الصادرات النفطية الروسية للحفاظ على استقرار السوق، كما حدث بداية الحرب.
لكن كلتا الدولتين تحتاجان إيران ضعيفة، فلافروف ذكر مراراً خلال المفاوضات السابقة مع إدارة أوباما، خشيته من أن إيران بمجرد أن تعطى بطاقة عضوية النادي الدولي بمباركة من البيت الأبيض، فلن تعود بذات الود مع موسكو، ومن ذلك يفهم كذلك إرجاء تسليم طهران للدفاعات الجوية S300.
وبالتالي تعرف إيران أن موسكو وبكين تشتريان مناكفة الغرب وإشغاله عن تايوان وأوكرانيا، وتبيع من أجل ذلك موقعها الجيوسياسي، في مقابل تجنب ضغوط من دولتين كبيرتين، وبطبيعية الحال تجنب أي قرارات أممية ستُمنع بالفيتو، وبالتالي فالوضع الذي تستند إليه إيران، هو مثالي للصين كنفط رخيص ولروسيا كدولة خارج السوق بقدرتها الكاملة.
نأتي للمستوى الثاني، وهو الجمهور الداخلي وما مدى ثقة النظام الإيراني الذي وصل بانقلاب ألا يحدث عليه انقلاب، بالإضافة إلى عدم وجود دعوات انفصالية بشكل إثني، وإنما كانت الاحتجاجات في السنوات الأخيرة تتحرك بدوافع اقتصادية ومطالبات بالحرية ونزع الحجاب، إلا أنها تدرك كذلك أن الورقة الأهم للإسرائيلي وهي الأكراد والذين سُلحوا بالفعل، هي ملف حساس جداً لجل دول المنطقة وخاصة تركيا.
ولأنقرة سوابق في التدخل براً في سوريا في فترة بشار الأسد لتجنب أي مشاريع كردية في المنطقة، ويدرك الأكراد أيضاً أن الاعتراف بكردستان العراق من قبل إسرائيل في 2017 لم يساوِ الحبر الذي كتب به.
وبالتالي الفيتو التركي والصواريخ الإيرانية هي استخدام إعلامي وردع يتجاوز الأكراد لغيرهم، فالملفات الإثنية للبلوش والآذريين توقظ شياطين نائمة لباكستان وأذربيجان تباعاً، ولا أحد يريد إيقاظها خشية من تأثير الدومينو، لكن يظل ذلك هاجساً يتسلل من بين خطابات القيادات الإيرانية وبين سطور الخطاب الأخير للمرشد أو الذي كُتب عن المرشد.
وبالحديث عن الداخل يجب التقاط العبارة المشتركة بين عراقجي وقاليباف في المقابلات الأخيرة، حيث تحدث كل منهما عن فكرة ألا أمان لأحد في الإقليم ما لم نكن آمنين، ولا تصدير لنفط أحد إن لم نكن من المصدرين، وهي ما يمكن تسميته مشاركة الألم.
ويجب الوقوف هنا عند نقطة منهجية وهي أن خطاب الشخصين المتطابق لا يعني أنهما يتوجهان لجمهور مختلف، فرئيس مجلس الشورى ذو الخلفية الأمنية في الحرس الثوري ووزارة الداخلية، يستدعي كربلائيات الألم والصبر، وبالتالي تحويل فشل الحكم الذي أدى لأزمات معيشية خرجت على إثرها مظاهرات يناير، إلى ثمن للصمود، وبالتالي شد العصب الداخلي وكذلك البطون الجائعة، وأن يلقم كل فم جائع حجراً فهو اعتراض هو دليل عمالة مع العدوان، ولا صوت فوق صوت المعركة.
أما عراقجي فيدرك، وهو من شارك كمفاوض رئيسي في اتفاق 2015، أن أكبر خسائر إيران اليوم هو غياب المفاوض الأوروبي الداعم له، وما خروج الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) من اتفاقية رفع الزناد رغم الأوضاع الاقتصادية، إلا مؤشر لغياب الثقة بين الطرفين، ونفاد صبر الأوروبيين من أن يبقوا في صورة الحمقى الذين يراهنون أن نظام الحرس الثوري سيصبح نظاماً طبيعياً.
وبالتالي فمشاركة الألم مع دول الخليج والأردن هو تحرك مدفوع بعدة أمور، أولاها رفض العدوى الضاغطة على الشعب الإيراني من النموذج التنموي الخليجي، خاصة النموذج السعودي بعد الرؤية، فقد مثل النموذج السعودي في التحول والتطور قوة ناعمة مؤلمة لصناع القرار في طهران، كيف لا وهم يشاهدون دولة جارة كبيرة يرى فيها الشاب الإيراني كل ما يتمناه من حياة طبيعية، لا تنقص بلاده شيء من الموارد إلا استخراجها من أحشاء الاقتصاد الموازي للحرس الثوري.
لكن المحرك الأهم لمشاركة الألم، هي السعي لدفع دول الخليج لتتحول لأداة ضاغطة على الرئيس ترمب لإيقاف الحرب، هذا المنهج يشمل عاملين مهمين أيضاً، تحويل الخصم من ثنائي إلى متعدد عبر توسيع الألم ليصيب الهند واليابان والصين فتزيد أدوات الضغط على واشنطن، لكنه أيضاً دلالة ضعف عسكري واقتصادي وجرعة أولى من سم، وبالتالي هي مراهنة على أن يصرخ أحد ممن شاركتهم الألم قبل أن تصل شفير الانتحار.