لم يشهد العالم في تاريخه ثروة كما يشهدها اليوم، ولم يبلغ حجم الاقتصاد العالمي ما بلغه في هذا العصر. ومع ذلك، لم يختفِ الفقر، ولم تتقلّص الفجوة بين الأغنياء والفقراء بالقدر الذي توقعه كثير من الاقتصاديين. بل إن المفارقة الكبرى تتمثل في أن العالم يزداد ثراءً، بينما يزداد الشعور بعدم المساواة.
تشير تقارير البنك الدولي والأمم المتحدة إلى أن مئات الملايين من البشر ما زالوا يعيشون في ظروف فقر، رغم التقدّم العلمي والتقني الهائل. كما أن نسبة كبيرة من الثروة العالمية تتركز في أيدي عدد محدود من الأفراد والشركات، بينما يواجه ملايين الناس صعوبة في الحصول على التعليم الجيد، والرعاية الصحية، والسكن، وفرص العمل اللائقة.
لقد أسهمت العولمة في رفع مستويات المعيشة في كثير من الدول، وأخرجت مئات الملايين من دائرة الفقر، خصوصاً في آسيا. لكنها في الوقت نفسه أدّت، في بعض الاقتصادات، إلى اتساع الفجوة في الدخول والثروات، حيث استفادت الفئات الأكثر تعليماً والأقدر على استثمار التكنولوجيا بوتيرة أسرع من غيرها.
ثم جاءت الثورة الرقمية لتضيف بعداً جديداً لهذه الفجوة. فالاقتصاد الحديث يكافئ المعرفة والابتكار أكثر من أي وقت مضى، وأصبحت الشركات التقنية العملاقة تحقق قيماً سوقية تتجاوز اقتصادات دول كاملة. وفي المقابل، تواجه الوظائف التقليدية ضغوطاً متزايدة بسبب الأتمتة والذكاء الاصطناعي، مما يفرض تحديات على العمالة الأقل تأهيلاً.
ولا تقتصر آثار اتساع فجوة الثروة على الجانب الاجتماعي، بل تمتد إلى الاقتصاد نفسه. فحين تتركز الثروة بصورة مفرطة، يضعف الاستهلاك لدى الشرائح ذات الدخل المنخفض، وتتراجع فرص الحراك الاجتماعي، وينعكس ذلك على معدلات النمو والاستقرار، ويزيد من الضغوط على السياسات العامة.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الاستثمار في التعليم، والتدريب، والصحة، وتمكين المرأة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، من أكثر السياسات فاعلية في الحد من عدم المساواة وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً.
في المملكة العربية السعودية، تمثل الرؤية نموذجاً للتنمية التي لا تركز على زيادة الناتج المحلي فحسب، بل تسعى إلى توسيع الفرص الاقتصادية، ورفع نسبة تملك المساكن، وتمكين الشباب والمرأة، وتنمية القطاع غير الربحي، وتحسين جودة الحياة، وتمكينهم من التعليم والعمل والرعاية الصحية، ومنحهم فرصة عادلة للمشاركة في صناعة المستقبل.
ويبقى السؤال: هل يمكن القضاء على الفقر في العالم؟ ربما يكون القضاء الكامل على الفقر هدفاً بالغ الصعوبة، لكن الحد منه وتقليص آثاره هدف يمكن تحقيقه إذا توافرت السياسات الصحيحة، والاستثمار في الإنسان، والحوكمة، والعدالة في الوصول إلى الفرص.