الدلالة البصرية أهم كثيراً من العبارات.. هكذا علمتنا الصحافة، وبالتالي فرسمة ربطة العنق التي يرتديها زعيم ما كالسادات في زيارته لإسرائيل لها رمزيتها، كما أن لون ربطة العنق تعطي دلالات حزبية وفكرية سواء في الشرق كما يبرز في لبنان وصولاً إلى أقصى غرب القارة في الولايات المتحدة وكندا، وكذلك كانت الصور في الخلفيات وفي الزيارات.
وفي زمن الاجتماعات الافتراضية يظهر الضيوف على القنوات ليحاول كل منهم أن يبعث رسالة عبر الكتاب الذي خلفه، أو اللوحة أو الصورة، والبعض من غرفة منزل عادية لتكون اللا رسالة هي رسالته، وكأنه يقول لك ركّز على ما أقول، أما المتحدثون والمحللون من إيران، وبعضهم ضباط حرس ثوري في رداء أكاديميين ومحللين، فيحرصون على خلفية مشتركة.
هذه الخلفية في أغلب الأحوال هي خريطة، تظهر إيران وموقعها المركزي، باعتبارها دولة لديها حدود مع سبع دول وتمثل بواباتها المتعدية لآسيا والصين وروسيا عبر بحر قزوين شمالاً، وخليج تسميه فارسي كمحاولة الهيمنة على الجغرافيا أكثر منه محاولة وصف الجغرافيا بسواحل تمتد إلى 1800 كم وصولاً إلى مضيق هرمز جنوباً، كمنطقة يمكنها من خلالها خنق حرق التجارة البحرية، وإتعاب الخصوم حتى لو كانت أضعف منهم مستفيدة من الطبيعة الجبلية شرق المضيق.
والجغرافيا في الوجدان الإيراني يمكن النظر لها على أكثر من مستوى، أولاً مع تأسيس الدولة الصفوية في 1501 على يد الشاه إسماعيل الأول، تأسس السياق الجامع لهوية بلاد فارس بإعلان المذهب الإثني عشري الشيعي ديناً للدولة، وبالرغم من أن اسم إيران سابق للصفويين لكن ما تحقق معهم هو الجغرافيا كوحدة سياسية متصلة، هي أوسع من جغرافيا إيران اليوم والأهم وجدانياً أنها كانت تسيطر على العراق بمرجعية النجف، وبالتالي إطار شيعي جامع بخلاف الدولة التي تناكفها حينها وهي الحكم العثماني.
ولكن الخريطة ما أضحت أن صارت ندبة وجرحاً في الذاكرة، خاصة خلال القرن التاسع عشر، حيث جُرّدت إيران نهائياً من أراضي جنوب القوقاز بعد معاهدة غولستان في 1813 وتخلت على إثرها عن جورجيا وداغستان وأذربيجان، وبعد خمسة عشر عاماً أتى إذلال آخر لإيران عبر اتفاقية تركمنشاي والتي أدت إلى انتزاع أرمينيا من خريطتها.
وفي النصف الثاني من القرن حدث ما سمي باللعبة الكبرى، أو قضم قطع من إيران لتكون على مائدة الصراع البريطاني الروسي، فوقعت اتفاقية هرات 1857 منهية صراع بريطانيا بالدولة القاجارية (والتي حكمت إيران حتى 1925)، وأدّت إلى تخلي إيران عن هرات وأفغانستان، لتمثل أفغانستان (buffer state) دولة عازلة بين الهند البريطانية وروسيا القيصرية، وتلاها بعد سنوات معاهدة آخال في 1881 وبالتالي خسرت إيران جزءاً جديداً من جغرافيتها وهو تركمانستان اليوم لصالح روسيا.
هذه الخلفية التاريخية لإمبراطورية سعت تاريخياً للتوسع، أتى فكر الخميني ليشعل الحنين للتوسع مجدّداً عبر تصدير الثورة، ثم أتى الصراع مع صدام حسين فتعلم منه الإيرانيون درسين؛ الأول أن توزع صواريخك ومنصات الإطلاق وتكثر من الأهداف الوهمية، وترفع كفاءة استخدام كهوف الجبال، وتعدد المداخل إلى المخازن والكهوف ما استطعت لذلك سبيلاً، حتى لا تكون لقمة سائغة كما كان جيش صدام في 91.
أما الأمر الآخر الذي تعلمه نظام الحرس الثوري من صدام، هو أهمية رسم خارطة جغرافيا الطوق، والتي تمثل السوار الحامي للمعصم، حتى لا تكون المعركة في إيران مجدّداً، فخلق محور المقامرة، مع دأب على استغلال كافة الفرص السانحة كالربيع العربي، والتي تحوّل من خلاله خطاب طهران إلى خطاب إسلامي يرتقي عن الحديث الطائفي، ثم ارتفع الخطاب بارتفاع الطموح فصوّر نفسه حامياً للأقليات غير المسلمة في الشرق.
لكن كل ما حدث من السابع من أكتوبر 2023 وصولاً لحرب الاثني عشر يوماً، غيّر كثيراً في ذهنية النظام الإيراني، وبدأ يصنع إستراتيجية وحدة ضربات لا وحدة جبهات، وذلك بعد رحيل السنوار ونصر الله وبشار الأسد.
وفي هذا السياق نفهم مباهاة عباس عراقجي في مقابلته الأولى للإعلام المحلي الإيراني، حين افتخر بأن المنطقة صدمت باستهدافها من إيران، وأنه لن يُصدر أحد نفطاً ما دمنا لم نصدر وهذا ما يمكن أن نسميه «جغرافيا الأذى»، والتي لا تستهدف على سبيل المثال قاعدة إنجرليك الأمريكية في تركيا، ولا تستهدف بطبيعة الحال الأهداف الأمريكية والإسرائيلية المباشرة التي قد تمحق الأذى بالجغرافيا الإيرانية.
ونرى جغرافيا العبث تمتد بتصدير الأسلحة للحوثي في طائرات مدنية لحثه على إغلاق باب المندب، مما يعني تمدد دائرة الأذى لمصر التي تعتبر قناة السويس من أهم مداخيل الخزينة التي شهدت نمواً في الأشهر الأخيرة.
لكن ما يرفع الأرقام سريعاً على جهاز قياس نبض النظام، هو الخوف من إنزال بري أمريكي يقضم بندر عباس من الخريطة الإيرانية، أو بعض الجزر الأخرى المستخدمة في حصار هرمز، كيف لا وهو يرى حتى الأوروبيين وصلوا لقناعة لا تمانع التخلي عن بعض جغرافيا أوكرانيا لإيقاف المعركة مع بوتين.