يتنقل التغيير فيضرب كل مكان وفي كل الاتجاهات، لقد بات التغيير هو القاعدة. فيمضي بتفكيك هياكل المجتمعات والأسر والمؤسسات ويعيد بناءها وفق قواعد غير نهائية وغير معلومة وبشكل سريع وغير قابل للتنبؤ، ويأتي في المقدمة سوق العمل. نحن لم نعد نعرف كيف نُعِدُّ شبابًا قادرين على التكيف مع وظائف لم تُخلق بعد، وتقنيات لم تُبتكر بعد، وأسواق تتغير أسرع من فكر التغيير لأي وقت مضى؟
لقد دخل العالم مرحلة غير مسبوقة؛ فلم يعد التغيير فيها استثناءً، تتغير المهن، وتتبدل المهارات المطلوبة، وتتراجع قيمة بعض التخصصات، بينما تنشأ قطاعات جديدة كل عام. وفي ظل هذه البيئة المتسارعة، لم تعد المدرسة والجامعة وحدهما كافيتين لإعداد الإنسان للحياة العملية، مهما بلغت جودة التعليم.
وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير في برنامج تجنيد وطني عصري، لا بوصفه مشروعًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، وإنما بوصفه أكبر مشروع وطني لبناء الإنسان، يجمع بين الانضباط العسكري، والتأهيل المهني، والتدريب التقني والرقمي، والثقافة الوطنية، والعمل التطوعي، واللياقة البدنية، والمهارات القيادية، والثقة بالنفس، ليخرج الشاب أكثر قدرة على فهم نفسه وما حوله وأكثر قدرة على معايشة هذا الكم من المتغيرات وتحمل المسؤولية خدمة لأسرته ووطنه في السلم كما في الطوارئ.
إن مثل هذا البرنامج لا يهدف فقط إلى إعداد احتياط وطني عند الأزمات، بل إلى تنمية رأس المال البشري الوطني، وصناعة جيل قادر على قيادة اقتصاد المعرفة، وأكثر جاهزية وتنافسية في سوق عمل هو الأسرع تغيرًا في التاريخ، جيل منضبط محب للتعلم قادر على العمل وتحمل المسؤولية وتقديم التضحية عند الحاجة، لا ينتظر الفرص، بل يصنعها، ولا يكون ضحية لتقلبات السوق، بل يمتلك من المرونة والمهارة ما يجعله قادرًا على أخذ زمام المبادرة فكراً وعملاً لإعادة بناء مستقبله كلما تغيرت الظروف.
ولعل أعظم ما يمكن أن يحققه هذا البرنامج أنه يهيئ الإنسان نفسياً وبدنياً وذهنياً قبل أن يؤهله مهنياً. فهو يبني الأهلية البدنية، والنفسية، والذهنية، والمهنية، والتقنية في إطار واحد متكامل، بدلاً من ترك الشباب يجمعون مهارات متناثرة من دورات وبرامج متفرقة، قد تضيف معلومة، لكنها لا تصنع شخصية، ولا تبني ثقافة عمل متماسكة.
إن التجنيد الوطني، بهذا المفهوم، لا يصنع جنديًا فقط، بل يصنع ثقافة. ثقافة احترام الوقت، والانضباط، وتحمل المسؤولية، والعمل الجماعي، والقيادة، والاعتماد على النفس، والابتكار والإنتاج، والمبادرة، والقدرة على العمل تحت ظروف الضغط. وهذه ليست مهارات منفصلة، وإنما منظومة متكاملة من القيم والعادات والسلوكيات التي يصعب اكتسابها من خلال برامج قصيرة ومتفرقة.
من المؤكد أن يكون لهذا البرنامج أثر اجتماعي لا يقل أهمية عن أثره الاقتصادي. فالتجربة الوطنية المشتركة توسع دوائر التعارف والثقة بين الشباب من مختلف المناطق والخلفيات، وتبني شبكات علاقات مهنية وإنسانية قد تتحول لاحقًا إلى فرق ابتكار أو شراكات اقتصادية، أو مشاريع ريادية، أو مبادرات تطوعية تخدم المجتمع. فالاقتصادات الحديثة لا تقوم على المهارات الفردية وحدها، بل على قوة الشبكات البشرية، والثقة المتبادلة، والقدرة على العمل الجماعي.
كما أنه من المرجح أن يلعب البرنامج دورًا كحاضنة وطنية لاكتشاف الموهوبين أنفسهم قبل غيرهم ومعرفة ميولهم واهتماماتهم الحقيقية التي لم تجد البيئة المناسبة قبل ذلك. فكثير من الشباب يضيع عمره في تخصصات ومسارات مهنية ليست له، ولا تستجيب لطبيعته وحقيقة تفكيره وميوله فلا يكتشفون قدراتهم إلا بعد فوات الأوان وسنوات من الدراسة والعمل، وربما بعد تجارب مكلفة من تغيير التخصص أو الوظيفة.
لكن التجربة العملية المكثفة في بيئة منضبطة ومتنوعة، تساعد الشباب على اكتشاف ميولهم وقدراتهم في القيادة، أو التقنية، أو الصناعة، أو الإسعاف، أو الأمن السيبراني، أو الإدارة، أو ريادة الأعمال، في وقت مبكر، فيبنون مسارهم المهني على معرفة وتجربة، لا على التخمين.
ومن الآثار التي تستحق التأمل أيضًا أن البرنامج قد يسهم في إعادة ترتيب أولويات الحياة لدى كثير من الشباب. فيغرس قيمة التخطيط للمستقبل، والادخار، وتحمل المسؤولية، والعمل المنتج، وبناء الأسرة على أسس مستقرة. وعندما تترسخ هذه القيم، يصبح الزواج مشروع حياة، لا مناسبة اجتماعية يطغى فيها الإنفاق الاستعراضي والمضاهاة على الاستثمار في مستقبل الأسرة.
فالمجتمع يحتاج إلى ثقافة تجعل بناء الأسرة والبيت والمشروع المشترك أولى من المبالغة في تكلفة ليلة واحدة.
هذا لا يعني أن شباب اليوم يفتقرون إلى القيم أو الطموح أو الرؤية، فكثير من الأجيال الحالية أثبتت قدرتها على الإنجاز في ميادين عديدة وبكفاءة عالية، لكن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية أصبحت أعمق وأسرع من أن تواجهها برامج تدريبية متفرقة أو حلول جزئية. وما يحتاجه الشباب هو إطار وطني متكامل يواكب هذا التحول، ويمنحهم قاعدة مشتركة من المهارات والقيم والخبرات العملية.
إن التجنيد الوطني العصري لا ينبغي أن يؤطّر بالمفهوم التقليدي للتجنيد فقط، بل بوصفه أولاً استثمارًا إستراتيجيًا في الإنسان؛ لأن الدول التي تريد أن تتصدر اقتصاد المعرفة تحتاج إلى مواطن يجمع بين الانضباط والابتكار، وبين اللياقة البدنية والكفاءة الرقمية، وبين روح الفريق والقدرة على القيادة، وبين الانتماء الوطني والاستعداد للتعلم مدى الحياة.
ولعل الوقت قد حان للانتقال من مفهوم «التجنيد لإعداد الجندي» إلى مفهوم «التجنيد لإعداد المواطن». فالمواطن المؤهل هو أساس الأمن، ومحرك الاقتصاد، وركيزة المجتمع، وضمانة المستقبل. وإذا نجح هذا المشروع في بناء الإنسان، فإنه يكون قد أنجز أهم استثمار: الاستثمار في رأس المال البشري، الذي يصنع كل أشكال التنمية الأخرى لتضم مسارات عسكرية، وتقنية، صحية، صناعية، زراعية، بيئية، سيبرانية، مع منح المشاركين شهادات مهنية معتمدة، في مختلف مجالات رأس المال البشري، واقتصاد المعرفة.