خلال أكثر من ربع قرن أمضيتها بين قاعات المؤتمرات، ومنصات المتحدثين، وغرف تنظيم الفعاليات، ولقاءات المسؤولين، وإدارة المؤتمرات الصحفية في قطاعات متنوعة، ومع شخصيات محلية ودولية في مجالات عدة، لاحظت أن أكثر المصطلحات تعرضًا للخلط هما: المؤتمر الصحفي والإحاطة الإعلامية، ويضاف إليهما نوع ثالث أصبح حاضرًا بكثرة، هو اللقاء الإعلامي الجماعي القصير.

هذا الخلط لا يقع عند الجمهور فحسب، بل يتكرر أحيانًا في بيانات رسمية، وفي الدعوات الإعلامية، وحتى في التغطيات الصحفية. ولذلك أعتقد، أن الوقت حان لإعادة ترتيب المفاهيم، ليس بوصفها ترفًا لغويًا، بل باعتبارها جزءًا من الاحتراف المهني.

المؤتمر الصحفي له وظيفة واضحة؛ فهو مناسبة لإعلان قرار إستراتيجي، أو إطلاق مشروع كبير، أو الكشف عن منتج أو مبادرة، أو التعامل مع قضية ذات اهتمام واسع. بطبيعته يصنع خبرًا جديدًا، ويستدعي حضورًا إعلاميًا واسعًا، ويقوده غالبًا صاحب القرار أو أعلى مسؤول في الجهة، مع مساحة مفتوحة للأسئلة والنقاش.

أما الإحاطة الإعلامية، فهي تؤدي وظيفة مختلفة تمامًا. فهي لا تُنشئ الخبر، بل تشرحه. لا تعلن القرار، بل تفسر أبعاده. هدفها تزويد الإعلام بالمعلومات، وتوضيح المستجدات، وتصحيح ما قد يلتبس، أو استكمال ما يحتاجه الرأي العام من تفاصيل. وغالبًا ما يقدمها المتحدث الرسمي أو مسؤول تنفيذي مختص، وقد تكون دورية أو مرتبطة بحدث معين.

ومن واقع التجربة، فإن المؤسسات الأكثر نضجًا في الاتصال المؤسسي هي التي تعرف متى تعقد مؤتمرًا صحفيًا، ومتى تكتفي بإحاطة إعلامية، لأن لكل منهما أثرًا مختلفًا على الرسالة الإعلامية، وعلى توقعات الصحفيين، وعلى حجم التغطية.

ويبقى النوع الثالث، الذي يختلط كثيرًا بالمؤتمر الصحفي، وهو اللقاء الإعلامي الجماعي القصير. هذا النموذج ليس مؤتمرًا صحفيًا بالمعنى المهني، بل لقاء سريع يجمع وسائل الإعلام مع شخصية أو مسؤول قبل حدث معين أو بعده، لإتاحة فرصة للأسئلة المحدودة والتصريحات المختصرة.

وعبر سنوات طويلة خلال عملي مع «روتانا»، كان ما تقوم به قبل حفلاتها الغنائية أو طرح ألبومات الفنانين في وقت سابق حالة نموذجية؛ إذ تسبق الحدث بلقاء إعلامي قصير يجمع وسائل الإعلام.

هذه الخطوة لا تهدف إلى إعلان قرار أو إطلاق مبادرة، وإنما إلى تهيئة التغطية الإعلامية، وإثراء المحتوى الصحفي، وإبراز الحدث بصورة أكثر احترافية. وهي ممارسة تستحق الامتثال؛ لأنها تعكس فهمًا مبكرًا لقيمة الإعلام، ولأهمية بناء علاقة مهنية مع الصحفيين، دون أن تُسمى مؤتمرًا صحفيًا.

وفي المقابل، أصبحنا نرى اليوم دعوات تحمل عنوان «مؤتمر صحفي»، بينما لا تتجاوز في حقيقتها إحاطة إعلامية مدتها عشر دقائق، أو لقاءً سريعًا للتصوير والتصريح، وهو ما يخلق توقعات غير صحيحة لدى وسائل الإعلام، ويؤثر في تقييم الحدث ذاته.

اللغة المهنية ليست مجرد ألفاظ، بل هي انعكاس لفهم طبيعة العمل. وعندما نصف كل لقاء بأنه مؤتمر صحفي، فإننا نفقد قيمة المؤتمر الحقيقي، ونشوّه وظيفة الإحاطة الإعلامية، ونخلط بين أدوات الاتصال المؤسسي.

تطوير الوعي بالمصطلحات الإعلامية لم يعد مسؤولية الجامعات وحدها، بل هو مسؤولية كل مؤسسة، وكل متحدث رسمي، وكل صحفي يحرص على دقة الممارسة قبل دقة الصياغة.

فالاحتراف يبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها. وما دام الإعلام يقوم على نقل الحقيقة، فإن أول الحقيقة أن نستخدم المصطلح الصحيح.