تواجه بنغلاديش واحدة من أسوأ موجات تفشي الحصبة في تاريخها الحديث، بعدما أدى الارتفاع الحاد في الإصابات منذ مارس الماضي إلى وفاة نحو 750 شخصاً، معظمهم من الأطفال، وفق بيانات حكومية، في وقت يحذر فيه خبراء الصحة من أن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أكبر بكثير.

ويأتي هذا التطور بعد أشهر فقط من إعلان منظمة الصحة العالمية أن بنغلاديش أحرزت «تقدماً كبيراً» نحو القضاء على الحصبة، مستفيدة من معدلات تطعيم تجاوزت 90% خلال السنوات الماضية.
إلا أن هذا التقدم تراجع بصورة مفاجئة، مع تسجيل أكثر من 120 ألف حالة إصابة مؤكدة ومشتبه بها منذ منتصف مارس، بينما لا تزال البلاد تسجل في المتوسط نحو ألف إصابة مشتبه بها يومياً، إلى جانب وفيات يومية، بحسب السلطات الصحية.

وفي مستشفى كلية الطب بمدينة ميمنسينغ، شمال العاصمة دكا، تجاوز عدد المرضى ضعف الطاقة الاستيعابية، حيث يتلقى نحو 130 مريضاً العلاج داخل جناح لا يضم سوى 32 سريراً، ما اضطر عشرات الأسر إلى افتراش الممرات والأرضيات في انتظار الرعاية الطبية.

وقال طبيب الأطفال الدكتور محمد غلام مولا، الذي يعمل في المستشفى: «لم أشهد من قبل تفشياً بهذا الحجم، كان المرض تحت السيطرة في بلادنا، واللقاحات فعالة للغاية، لكن ما حدث يثير الكثير من التساؤلات».

ويعزو خبراء ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) الأزمة إلى مجموعة من العوامل، أبرزها تأخر طلبات شراء اللقاحات، وتعطل برامج التحصين الروتينية خلال جائحة كورونا، وعدم تنفيذ حملات التطعيم الجماعية ضد الحصبة والحصبة الألمانية منذ عام 2020، إضافة إلى الازدحام السكاني والتنقلات الواسعة خلال عطلة عيد الفطر.

وأكد المتحدث باسم "يونيسف" في بنغلاديش ميغيل ماتيوس مونيوث، أن ما تشهده البلاد يمثل «عاصفة كاملة» نتجت عن تداخل عدة عوامل، موضحاً أن المنظمة كانت قد حذرت من احتمال حدوث فجوات في إمدادات اللقاحات مع إعادة هيكلة آليات الشراء خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت الاضطرابات السياسية في البلاد.

في المقابل، نفى مسؤولون سابقون في الحكومة الانتقالية وجود نقص في اللقاحات، مؤكدين أن المراسلات مع "يونيسف" لم تتضمن تحذيراً مباشراً من احتمال وقوع تفشٍ واسع للحصبة.

واستجابة لتفاقم الأزمة، أطلقت الحكومة بالتعاون مع "يونيسف" حملة تطعيم طارئة في أبريل الماضي شملت عدداً من المناطق، وتم خلالها تطعيم أكثر من 18.4 مليون طفل، فيما تشير السلطات إلى أن وتيرة الإصابات والوفيات بدأت بالتراجع، رغم استمرار تسجيل أعداد مرتفعة من الحالات الجديدة.

من جانبه، أقر وزير الصحة سردار سخاوات حسين، بالضغط الكبير الذي يتعرض له النظام الصحي، لكنه أكد أن الحكومة تمكنت من إدارة الأزمة رغم محدودية الإمكانات مقارنة بعدد سكان البلاد الذي يتجاوز 170 مليون نسمة.

غير أن خبراء الصحة العامة يحذرون من أن الوضع لا يزال خطيراً، معتبرين أن الأرقام الحالية قد لا تعكس الحجم الحقيقي للأزمة، خاصة في ظل صعوبة رصد جميع الإصابات والوفيات.

ويؤكد المختصون أن ما يحدث في بنغلاديش يمثل تذكيراً بأهمية الحفاظ على معدلات التطعيم المرتفعة، إذ تبقى الحصبة من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بفعالية عبر اللقاحات، في وقت يشهد فيه العالم تزايداً في بؤر التفشي مع تراجع نسب التحصين في عدد من الدول.