في الأعمال المستنسخة تقف ذاكرة الجمهور عادة عند شخصيات أحبها في النسخ الأصلية، لاسيما إن كان العمل السابق قد نجح وانتشر خارج حدوده كما هو حال المسلسل التركي «اطرق بابي»، الذي شكّل انتشاره تحدياً كبيراً للعمل المستنسخ «حبر على ورق».

عادة تروقني وغيري مثل هذه الأعمال كمشاهد عادي لا ضير عنده أن يشاهد نفس القصة بوجوه أخرى وبمتعة أقل، لكن التحدي الحقيقي للقائمين على العمل في اختلاق فرص نجاح وانتشار متحررة من قيود العمل السابق.

لكن التحدي للقائمين على العمل المعرّب ليس في إعادة إنتاج الحكاية، وإنما في تحريرها من ظل النسخة الأولى، ومنحها حياة جديدة تنتمي إلى بيئتها وثقافتها قبل أن تنتمي إلى النص الذي وُلدت منه.

شخصياً، بدا لي مسلسل «حب على ورق» تجربة تستحق المشاهدة أكثر من كونها تجربة تستحق المقارنة.

فالعمل، صحيح أنه على مستوى بنائه الدرامي، لم يبتعد كثيراً عن المصدر الذي استند إليه، وبقي أسيراً لحبكة مألوفة لم تضف ما يكفي لتبرير إعادة إنتاجها، ولم يبحث النص عن إعادة اكتشاف الشخصيات داخل البيئة العربية، بقدر ما انشغل بإعادة ترتيب المشاهد نفسها بوجوه مختلفة، ولذلك بدا البناء الدرامي محدود المغامرة وسطحياً، واستفاد من نجاح سابق أكثر من سعيه إلى صناعة نجاح جديد.

غير أن هذا القيد نفسه كشف عن القيمة الحقيقية للعمل.

فحين يظل النص قريباً إلى هذا الحد من الأصل، يصبح العبء كله على الممثلين، والمطلوب أكثر تعقيداً منهم أن ينتزع الممثل الشخصية من ذاكرة الجمهور، وأن يقنعه بأنه لا يشاهد تقليداً، بل قراءة أخرى للشخصية نفسها.

وهذا تحديداً ما نجح فيه بطلا العمل أنس طيارة وهيا مرعشلي.

لم ينجرف الثنائي إلى فخ المحاكاة والتقليد، ولم يتعامل مع الشخصيتين بوصفهما قالبين جاهزين يجب استنساخهما، بل قدّما أداءً يمتلك استقلاله الداخلي.

فالكيمياء بينهما لم تكن نتيجة تقليد العلاقة التي صنعت نجاح النسخة الأصلية، بل جاءت انسجاماً أدائياً منح الشخصيتين إيقاعاً مختلفاً، وأكثر التصاقاً بحضورهما.

أصعب ما يواجه أي نسخة معرّبة ليس جودة النص، وإنما قسوة المقارنة.

الجمهور لا يمنحها فرصة المشاهدة بعين محايدة، بل يضعها منذ اللحظة الأولى أمام ميزان النسخة التي أحبها. والخروج من هذا الامتحان لا يتحقق بالوفاء للأصل، بل بالقدرة على نسيانه، أو على الأقل جعل المشاهد ينساه مؤقتاً.

لهذا لا تبدو قوة «حب على ورق» كامنة في حكايته، ولا في بنائه الدرامي، بل في نجاح بطليه في تجاوز أكثر الفخاخ شيوعاً في الأعمال المنقولة وهي أن يتحولا إلى صورة باهتة من شخصيات سبق أن نجحت.

لقد حافظ النص على استنساخه، بينما تحرر الأداء من الاستنساخ، وهنا تكمن المفارقة التي صنعت القيمة الوحيدة والأكثر إقناعاً في هذه التجربة.